مالك بن نبي ، الراهن والمستقبل دراسة نقدية لرسم معالم البنابية الجديدة

عدد القراءات :3100

أ.د عبد القادر بوعرفة*
جامعة وهران

“الأموات لا يفكرون للأحياء، بل الأحياء يفكرون من خلال تركة الأموات”
***
لم تعد القراءة التقليدية لفكر مالك بن نبي مفيدة وناجعة سواء لدارسها أو موضوع الدّراسة، فإعادة بسط وعرض ما كتبه مالك بن نبي هو من قبل تحصيل الحاصل، وشرح الشّرح، وتلخيص التّلخيص … وهي عادة ألفها ومارسها كُتاب الأمة الإسلامية منذ عصر الانحطاط.
إن الكَاتبَ لا يحي و لا يُخَلدُ إلا من خلال القراءة النّقدية التّجاوزية، فكلما كثر النّقد لنصه كثرت مجالات تواجده وحياته المعنوية، وربما يُكتب له الخلود مع كبار الفلاسفة والعلماء كما هو الشأن لأفلاطون وأرسطو وابن رشد وابن خلدون …. إن نصوص كبار الفلاسفة والمفكرين لم يُكتب لها النجاح إلا من خلال تعرضها للنّقد والنّقض معا … إن المفكر ذاته يكره التّقديس والتبجيل ويرنو نحو النّقد الصّريح ذو البعد الأخلاقي والجمالي معا ……
كان مالك بن نبي قد طرح سؤالا جوهريا حول علاقتنا بالغرب مقارنة مع الشعب الياباني، فتوصل بعد تحليل دقيق إلى أننا لازلنا نمثل دور الزبون تجاه الغرب بينما اليابان يمثل دور التلميذ، ولذلك تقدم اليابان وتأخر المسلمون.
ونحن بدورنا سنطرح سؤال العلاقة ولكن حول علاقتنا بفكر مالك بن نبي، فهل وقفنا منه موقف التّلميذ أم موقف الزّبون؟؟؟
نستطيع أن نجزم بعد نصف قرن تقريبا من رحيل مالك بن نبي (1973) أننا لا زلنا نتعامل مع فكره تعامل الزبون، لازلنا نردد “قال ويقول” وننعته بأعظم الألقاب … ونحن بذلك نقوم بوأده في كل ملتقى ننظمه أو دراسة ننجزها عنه.
كان مالك بن نبي ينفر من تحول الشّخص أو الفكرة إلى وثن، ونحن نلاحظ اليوم أن بن نبي نتعامل معه كما تعامل الشعب الجزائري مع المرابطين والأولياء:”هذه الجدلية تحدد طبيعة علاقة الفكرة –الشخص، التي تنقلب عند التّطرف إلى علاقة فكرة-وثن، وبفضل تلك العلاقات المنجرفة نحو التّطرف فإن الشعب الجزائري أقام قبب مرابطيه وأوليائه، وحافظ على عكوفه عليهم عبر قرون ما بعد الموحدين. “1
إذا أردنا لمالك بن نبي الاستمرارية التّاريخية وحياة العظماء، فلا بد أن نُخرج أعماله من الدّراسة التقريظية والتّقديسية إلى الدّراسة النقدية والتّجاوزية، التي أساسها التفكير في شروط ترهين فكره بعيون الحاضر والمستقبل ….. وتحتاج تلك الدّراسة جملة من القواعد الإبستيمية التي حاولنا أن نضعها في النّقاط الرئيسة التالية:
1- تطبيق منهج القراءة بالخُلف على فكر بن نبي، ونُلخصها في المبدأ التالي: التفكير مع نبي ضد بن نبي، مثلما طُبقت في الغرب من خلال بعض الأعمال الرائعة، مثل قراءة ألتوسير الشّهيرة لفكر ماركس من خلال فكرته “ماركس ضد ماركس”، أو كما فعل كارل أوتو آبل “التّفكير مع هابرماس ضد هابرماس” الخ …
تتناسب تلك القراءة مع ذهنية ومنهج مالك بن نبي، فلقد استعمل الخيال العلمي ليقرب مشكلات الحضارة إلى العقول، فابتكر فرضية الزائر السَّماوي ( الأصم والأبكم) الذي تجوّل عبر محورين في الأرض ( واشنطن – موسكو ثم طنجة -جاكرتا)2فاكتشفا نوعين من العالم والإنسان.
ونحن بدورنا نفترض أن مالك بن نبي عاد من رمسه ليقرأ أفكاره في عصرنا، وكان حاله كحال الزائر السّماوي، فهل سيكون تفكيره مثل الذي كان أم سيكون على خلاف ما كان؟
2- الاعتقاد بأن فكر بن نبي كان نتاج لحظة تاريخية لا يمكن أن تتكرر، وواقع تغيرت ظروفه وشروطه الحضارية. ونقر في الوقت ذاته أن مالك بن نبي فهم عصره لكنه عجز عن تغييره.
3- منهج الاستضافة يفرض التّجاوز لا إعادة ما أنتج، ثم التفكير من خلاله بحيث يصبح المُستحضِر هو المُبدع والمفكر والمبرهن والمحلل، بينما المُستَحضَر هو المُؤيد والشَّاهد فقط. وتتيح تلك القاعدة كسر النزعة التقديسية التي حاربها مالك بن نبي واعتبرها استمرارا لفكرة الوثن.
4- تأسيس معالم مدرسة بنايبة جديدة يفرض التنظير من خلال فكرة ما بعد بن نبي.
5- ترجيح منهج نقد النّقد والانتقال من نقد العقل إلى نقد الفعل.
6- وضع حافز العالمية الإسلامية الثّانية من أجل التّقدم نحو الإسلام لا العودة إليه.
7- يكون ترهين أفكار مالك بن نبي من خلال دراستها أولا ثم تقسيمها وفق الآلية التالية:
-أفكار صالحة لكل زمان وعصر.
– أفكار صالحة لكن تحتاج إلى تطوير وتجديد وفق مقاصد العصر ومطالب الغد.
– أفكار غير صالحة لارتباطها بعصرها فقط.
ثم تقسيم حياة مالك بن نبي إلى ثلاثة أدوار:
– مرحلة الشّاب: الحالم المثالي.
– مرحلة الكهل: الإيديولوجي المناضل.
– مرحلة الشّيخ: الحكيم الواقعي.
ومن خلال تقسيم حياة وفكر مالك بن نبي وفق التّصنيف السّابق، يمكن أن نحصر منطقة التَّرهين والتَّفعيل، وأخص الصنف الثاني بالخصوص ( أفكار صالحة لكن تحتاج إلى تطوير وتجديد)، فالأفكار الصالحة لكل عصر هي الأفكار العامة التي تشترك فيها الإنسانية قاطبة، ويتفق الفلاسفةوالعلماء على ضرورة وجودها. وهي لا تُعتبر من إنتاج مالك بن نبي بل هي نتاج البشرية جمعاء، ولقد وظفها بن نبي باعتبارها من البدائه والقواعد العامة. أما الأفكار غير صالحة فهي التي أنتجها بناء على معطيات ظرفية وإيديولوجية خاصة.

1- نقد المفاهيم:
المفهوم هو الإنسان ذاته وليس كما قال جيل دولوز هو صديقه:” إن الفيلسوف صديق المفهوم، إنه بالقوة مفهوم”3، فالمفهوم حين ينحته المفكر يدل على ذاته ويعبر عن مكنوناته، ويغدو كالمرآة التي تعكس ماهيته. وصناعة المفاهيم تُعبر أيضا عن طبيعة التّفكير والتّأمل وعلاقة المفكر مع مواضيع المعرفة والآخر.
ويُعتبر المفهوم من وجهة أخرى هو جوهر النّظرية والفكرة، فكلما كانت المفاهيم قوية ومؤثرة كانت النّظرية والفكرة كذلك. ويجدر بنا كذلك توضيح خطورة المفهوم، فهو يحمل في ذاتهآلة الهدم كما يحمل آلة البناء، ويحمل الإيجاب كما يحمل السّلب، وقد ينحت الفيلسوف مفهوما يؤدي إلى عكس ما أراده هو ذاته، فكثير من المفاهيم التي استعملها المفكرون العرب حادت ووُظفت بخبث، فكان مفعولها السّلبي أكبر من مفعولها الإيجابي.
ونعتقد أن أكثر كيانات النظرية سفرا وترحلا هي المفاهيم، وكثيرا من الفلاسفة لم يٌكتب النجاح لنظرياتهم لكن كُتب النّجاح لمفاهيمهم ومصطلحهم كأفلاطون ونيتشه مثلا.
ومن خلال ما سبق، فإن مالك بن نبي عَني بالمفاهيم عناية فائقة، بل ذهب أبعد من ذلك حين وضع مبحثا خاصا4 يُوضح فيه آلية إبداع وضبط المفاهيم، مع العلم أنه حذر من استعمال المفاهيم والمصطلحات التي تفرزها المعامل الاستحمارية.
يقول مالك بن نبي موضحا كيفية إنتاج المفاهيم: ” إن لكلتا العمليتين وجوها متماثلة، فتحقيق الشيء يتم بواسطة: الإدراك الشعوري ثم يترجم إلى (اسم )، وتحقيق الواقع الاجتماعي يتم بواسطة التصنيف ثم يترجم إلى ( مفهوم )”5
وسنحاول من خلال هذه الدّراسة التّعامل مع جملة من المفاهيم التي وظفها مالك بن نبي لتبيان مشروعه، وسنقوم بعرضها ثم محاولة تقييمها ونقدها، وتلك المفاهيم نوردها على النّحو التّالي:
أ‌- من القابلية للاستعمار إلى القابلية للتحضر:
لم يعد مفهوم “القابلية للاستعمار” المعلم لفهم الذّات العربية اليوم، بل اليّوم نحن لابد أن نفكر في مفهوم “القابلية للتّحضر”، لأن المفهوم الأول فقد مسوغات وجوده بعد عمليات التّحرر بينما الثاني يفرض مسوغات وجوده كوننا نعيش على عتبات العالمية الإسلامية الثانية، ويعيش جيل الألفية الثالثة نوعا من الوعي التاريخي والحضاري يدفعه نحو تأصيل ذاته وعصرنتها في الوقت عينه. ومن ناحية أخرى أن مفهوم “القابلية للاستعمار” ذاته يحمل مغالطة لغوية واصطلاحية، فالاستعمار مشتق من فعل عَمر يُعمر ومنه التّعمير والعمارة والاستعمار، وهو فعل إيجابي لقوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْصَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍغَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَافَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ.} هود الآية:61. ومن خلال المعنى اللغوي تُصبح القابلية للاستعمار مفهوما إيجابيا وربانيا لكونه يُحقق معنى الاستخلاف في الوقت نفسه، أما المعنى الذي أراده مالك بن نبي هو عكس ذلك تماما، إذ كان يقصد معنى “القابلية للاحتلال”Colonisabilité)) والتي تعنى الاستلاب والشعور بالدّونية والنقص، وتقبل غلبة الآخر تقبلا نفسيا، وهو معنى استقاه مالك بن نبي من مقدمة ابن خلدون: “.. أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيهونحلته وسائر أحواله وعوائدهوالسّبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط بهمن أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لهااعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به.”6
اعتقد شخصيا أن المفهوم السابق لا نجد له ما يقربه من المعنى الحقيقي لفعل المُحتل سوى مفهوم القابلية للاستحمار.7
ونحن نعترف أن مفهوم “القابلية للاستعمار” أدى وظيفتين رئيستين: الأولى تتمثل في تشريح وتشخيص الذّات العربية منذ لحظة الأفول إلى لحظة الاستحمار، والثانية تتمثل في وضع الأرضية لتغيير الذّات عبر الثّورة على مركبات القابلية. حيث يُعتبر فعل التّحرير والاستقلال من علامات وشواهد نجاح مفهوم “القابلية للاستعمار” في تحريك الكتل اللّحمية نحو تحقيق أولى مراتب الشّاهدية، بالرغم أن مالك بن نبي يصرح أن “القابلية للاستعمار” لازال يلاحظها تُعشش في أذهان إنسان ما بعد الاستقلال.
ونحن نعتقد أن المجتمعات العربية شهدت بعد تسعينات القرن جملة من التّحولات الإيجابية، وأصبحت أكثر تحديا لأوضاعها الرّاهنة مما يدفعنا إلى تثمين تلك التّحولات عبر تصدير مفهوم “القابلية للتّحضر” الذي يتزامن مع تنامي الطاقة الروحية للمسلم وتقدمه نحو الإسلام كدين شامل يقول آبل أتو: ����…الدّوافع الدّينية هي مصدر الطاقة الدّافعة للرجال والنساء لإنجاز تغيير اجتماعي جذري، ويترتب على هذا أنه يستحيل الوصول إلى مجتمع جديد، إلا إذا حدث تغيير عميق في الضمير الإنساني، إلا إذا ظهر شيء جديد يكرس النّاس حياتهم من أجله، ويحل محل ما هو موجود حاليا.����8
ونحن نعتقد أن أجيال الألفية الثالثة وما بعدها يرغبون في تشكيل مجتمع مدني جديد، قائم على معادلات حضارية جديدة تتناسب وطبيعة التّحدي الذي ينتجه وضعه الاجتماعي والعالمي معا. إن القابلية للتحضر هي محاولة توتير الطاقة الحيوية والروحية من أجل وضع الذّات في وضع التّحفز والتّأهب للدخول إلى العالمية الإسلامية الثانية.
ب- من إنسان ما بعد الموحدين إلى “إنسان ما بعد التحرير” أو”ما بعد الانحطاط”:
تفرد مالك بن نبي دون شك بمصطلح “إنسان ما بعد الموحدين” ويرمز إلى الأفول والانحطاط، ويحمل معالم السّلب وغياب الأنموذج الحضاري، الذي بزغ مع الدعوة المحمدية. ويمكن تسمية تلك حقبة إنسان ما بعد الموحدين بالبيّات أو السبّات الحضاري.
يرى المشارقة عكس ما أفترضه مالك بن نبي، فسقوط بغداد على يد المغول يُعتبر الفاصلة بين تاريخ ذهبي ساد فيه الأنموذج الإسلامي وتاريخ سلبي شَاخ فيه العقل الإسلامي المبدع، فشلت يده الحديدية،وفَتُرَ قلبه المذْوَاق.
إن النظرتين بالرغم من اختلافهما تتفقان على حقيقة واحدة هي الإعلان عن أفول الإنسان المسلم، كما أعلن شبنجلر أفول الإنسان الغربي سنة 1924. وبالرغم مما سبق، يرى بعض النقاد والدارسين،أن”إنسان ما بعد الموحدين” لا يمثل النقطة القاتلة في تاريخنا الإسلامي،بل أن “موت الإنسان ” أُعلن قبل ذلك بوقت كبير.
وبعد مرور نصف قرن أو يزيد، نلاحظ أن المسلم أحدث قطيعة تاريخية مع إنسان ما بعد الموحدين من خلال إعلان تحرير الأرض والإنسان، ثم من خلال تحرير الإنسان من الأوثان والزعماء، ويبدو أننا بالفعل دخلنا مرحلة تدشين “إنسان ما بعد الانحطاط” أو “إنسان ما بعد التحرير” .
ج- من مفهوم التّخلف إلى مفهوم الأفول والانحطاط:
أريد أن أعيد النّظر في مصطلح “التّخلف” إذ هو مصطلح أفرزته الأيديولوجية السّياسية، فهو مفهوم استعماري أكثر منه فكري أو فلسفي، وينبغي الاستعاضة عنه بمصطلح يحمل مفهومية أكثر عمقا لأبعاد السؤال الحضاري. إن العالم الإسلامي لا يعيش أزمة تخلف وإنّما يعيش حالة أفول أو انحطاط نحددها من خلال فلسفة التاريخ، فالمصطلح الأنسب لظاهرة العالم الإسلامي هو ما لمح إليه بن خلدون بالانحطاط أو الأفول، وبالطريقة ذاتها التي وظفها أزفولدشبنغلر حين ألف كتابه ” أفول الغرب”. والقصد من ذلك أن المصطلح الأخير يحمل بعدين عكس التّخلف، فالبعد الأوّل يتجه نحو فلسفة التاريخ، إذ ينبئ بوجود حالة سابقة نطلق عليها حالة تحضر، فالمسألة توحي بأننا أمام ظاهرة “تداول حضاري” أو”تداول كوني” حسب مفاهيم القرآن، ومنه فنحن لا نعيش حالة سكون، فالذي عاش لحظة تحضر بإمكانه إعادة إنتاجها مرة أخرى متى توفرت الشروط والمسوغات.
أمّا البعد الثاني للمصطلح يعني وجود إمكانية “التّغيير” والتحول معا، ولكن حين نستعمل مصطلح التخلف نشعر بحالة نفسية تدفعنا إلى الوراء، وتعبر عن مركبات النّقص. ومن المعلوم أن المعامل الاستعمارية هي من صاغه ووظفه لأجل أبعاد حضارية تخدمه على الخصوص، فالتخلف يُربط انثربولوجياوايثنوغرافيا دوما بالإنسان الملون أو المولد والموسوم في مصطلحهم بالأهلي (Iindigène) وبالإنجليزية (Native)) فالمسلم لا يُصنف ضمن الأهالي بل هو إنسان متمدن ورسالي، يحمل قيم الحضارة والاجتماع الإنساني. ويمكن تسمية الحالة التي يعيشها بالتأخر أو التّقهقر.
د- من المعادلات العامة إلى المعادلات التفصيلية:
نعتقد أن لا أحد يجهل معادلة بن نبي الشّهيرة المتعلقة بنشوء الحضارة، والتي صاغها وفق الصّيغة التالية: الحضارة= الإنسان + التراب + الوقت. ولقد دأب كثير من المفكرين في شرحها وتفسيرها معتقدين أنها مفتاح التّحضر وسر التّمدن، بيد أن وضع المعادلة تحت مجهر النقد يُبين أن مالك بن نبي أخطأ حين تعامل مع الظاهرة الإنسانية مثلما يتعامل الفيزيائي مع الظاهرة الطبيعية، فالظاهرة الإنسانية عصية عن الإمساك الكمي والترتيب الميكانيكي… فليس من السهل وضع مجموعة من العناصر ضمن علاقة رياضية حتى تكون النتائج مترتبة عن المقدمات، فالظاهرة الإنسانية محكومة باللاقانون أصلا، والقانون الوحيد الذي تخضع له هو قانون الكون الكبير. ونحن لا ننكر أو نقلل من فاعلية تلك المعادلات العامة التي قدمها بن نبي ولكننا نقول أنها تأتي في سياق إجرائي فقط ولا نعتبرها قانون كوني.
ومن جهة أخرى أن بناء “الإنسان الشّاهد” لا يتم دفعة واحدة ولا بالكيفية نفسها، فالحضارة تتأسس على الثُّلة ثم الكثّرة، فإعداد المسلم بصورة عامة يحتاج إلى المعادلة السّالفة، لكونها تساعدنا على ربط المسلم بأركان الحضارة التّراب والوقت. لكن لا يمكن أن ندخل الحضارة إلا إذا أعددنا النّخبة أو الأنتلجنسيا أولا، ونحتاج إلى عدة معادلات تفصيلية حسب طبيعة كل مثقف نريده.
يحتاج إعداد الجمهور أو الكثرة إلى معادلات تتناسب ونفسية الكتل والحشود، وذهنية العوام والشعب، فالمعادلة التالية على سبيل المثال لا تصلح لبناء إنسان الكثرة: الحضارة = عالم الأفكار + عالم الأشخاص+ عالم الأشياء. ذلك أن الكثّرة أو العوام لا تُدرك إلا عالم الأشياء والأشخاص.
تفطن أفلاطون قديما لجوهر المسألة، حين اعتبر أن الناس معادن9 وأن كل إنسان ميسر لما خلق له، عندئذ انطلق من فكرة أن بناء الجسد والروح لا يكتمل لدى الإنسان إلا من خلال التدرج في مراتب الكمال، وبما أن الكمال لا يصله إلا ذو المعدن الذهبي فإن فلسفة تكوين الإنسان تقوم على تصنيف المواطنين في المدينة حسب معادنهم، فمن لم ترفعه قدراته ونفسه لم ترفعه السياسة ولا أعراف المجتمع.10
يحاول أفلاطون التنبيه إلى ضرورة فهم الطبيعة الإنسانية، فليس الناس من طينة واحدة، وعليه فإن صاحب المشروع لا بد أن يدرك أن إعداد الثّلة والنخبة يختلف اختلافا كبيرا عن إعداد الكثرة أي الجمهور.
يبدو أن مالك بن نبي تعامل مع الإنسان كما يتعامل الفيزيائي مع المادة الجامدة، إذ تملي عليه القوانين اعتبارها متجانسة وتخضع للقوانين نفسها، بينما الظاهرة الإنسانية غير متجانسة، بل تكاد تكون كل حالة خاصة.
نحن نؤمن بصلاحية جملة من المقدمات النظرية التي وضعها بن نبي على شكل معادلات إيجابية لكل فلسفة بنائية جديدة مثل: (الإنسان– التراب- الوقت) + (الأفكار– الأشخاص- الأشياء) + (العقل– اليد – القلب) + (الفرد– الجماعة – الأمة) + (المصالح- الوسائل – الغايات) + (الإيمان– العمل- الشك) +(الجسد– النفس– الروح) + (الأنا– الأخر- الله) + (الحرية– العدل– الإخاء) + (المنطق– الاقتصاد – الجمال) + (التدافع – السلم – الاستخلاف)+ (الفعل – الفاعلية – النجاح) + (التاريخ – المكر – الاستعلاء) + (أصالة – معاصرة – هوية)+ (ميلاد – قوة – ضعف).
ونقر في الوقت نفسه بضرورة فهم الثلاثيات السالبة لكل تجاوز إيجابي : (القدر- السكون- الاستسلام) + (فكرة ميتة- فكرة مُميته- الخذلان) + (فكرة عارضة– فكرة متسلطة– كاذبة) + (التكديس– التقديس– التبعية) + (الوثن– الزعيم– القبيلة) + (الكلام- الخطابة – النفاق) – (الغريزة- اللذة- السعادة) + (النكوص – السلف – التضوية السحرية) + (الكثرة – الكم – الوعي الزائف)+ (لماذا – تبرير – انحطاط).
لكننا نريد القول فقط، أن مشروع بناء العالمية الإسلامية الثانية لا بد أن يستند إلى معادلات عامة وأخرى تفصيلية، لأن بناء الإنسان متعدد ومتنوع، فنحن لا نكون العالم بطريقة ذاتها التي نكون بها الفلاح أو المزارع، و لا السياسي بالطريقة ذاتها التي نكون بها المهندس والطبيب، بل المشروع الحضاري يفرض التفرقة بين الناس في القدرات والمكتسبات، وذلك سر الله في أصل التفاوت بين الناس.
هـ – من فكرة كمنويلث إسلامي إلى فكرة الحلف العرب – الإسلام:
قدمها كفكرة وفق ما حدث في القرن الماضي، حين شكلت بريطانيا منظمة الدّول التي خضعت لاحتلالها وهيمنتها، وأطلقت عليها منظمة دول الكمنويلث. كان الهدف منها تشكيل كتلة دولية تعمل على تطوير العلاقات الثقافية والاجتماعية، ثم التّعاون الاقتصادي والسياسي. وربما راقت فكرة الاتحاد لمالك بن نبي، فأراد أن يُطبقها على دول العالم الإسلامي، بيد أن الفكرة كانت غريبة ودخيلة على الثقافة الإسلامية، والدليل على ذلك عدم اهتمام المفكرين ولا السّاسة بها .، فالاتحاد بين الدول الإسلامية لا بد أن يخضع لهيكل إسلامي محض وخاص، ونحن نقترح في تفعيل فكر مالك بأن نعيد صياغة فكرة كمنويلث بالحلف الإسلامي تيمنا بمباركة الرسول لحلف الفضول الذي أسسه عبد الله بن جدعان، أو نسميه على الأقل “إتحاد الدول الإسلامية.”
إن التاريخ المعاصر يشهد على إمكانية هذا الإتحاد الإسلامي، من خلال تجربة الاتحاد الأوربي على المستوى العالمي، أو نجاح تجربة منظمة دول الخليج العربي على المستوى القطري. كما أن ظاهرة الأوربة أثبتت نجاعتها بالرغم من الهزّات الاقتصادية التي تشهدها من حين لآخر، فتوحيد العمل والتأشيرة وإلغاء الجمركة … وحد شعوب أوروبا على المستوى الاقتصادي على الأقل.
و – من مفهوم التعايش السلمي إلى مفهوم التّجاور الحي.
أفرزت الحرب الباردة مفهوم التّعايش السلمي، نتيجة الصراع المتأجج بين روسيا وأمريكا في منتصف القرن الماضي، وكانت الخشية من اندلاع حرب نووية هي المحرك لفكرة التعايش السلمي.
بينما نحن نرى أن الإسلام أمر المسلم بحسن الجوّار سواء كان الجوار بمعناه القريب أو البعيد، فنحن كأمة عرفت وصنعت الحضارة نؤمن بضرورة حسن الجوار مع الأمم، شريطة أن يكون مؤسسا على الحوار والتّفاهم، ثم ممارسة فعل التجاور الحي ليؤمن للمتجاورين حق الوجود والكرامة والحرية، والجوار الحي في الإسلام غير مبني على منطق الخوف والخشية من الآخر بل مبني على أساس منطق التّعارف والتآلف بالرغم من الاختلاف. لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)11.
ز – من وعي الصعوبات إلى خلقها وتجاوزها.
اعتبر مالك بن نبي وعي الصعوبات من أهم اللحظات التي تمر بها الذات في مرحلة بنائها، فهي المرحلة التي تسبق مرحلة الفراغ الكوني وتمهد للذات خوض تجربة التّماهي مع عالم الأفكار والمثل، ونحن نعتقد اليوم أن وعي الصعوبات لا يفيد الذات في تغيير واقعها بل على الذّات اليوم خلق الصعوبات حتى تتمكن من التحدي وتحقيق مبدأ التدافع القرآني، ودليلنا أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا يسعون إلى خلق الصعوبات من أجل معرفة مراتب الرجال ومدارج الإيمان. كما أن الظاهرة التّركية اليّوم تؤكد أن خلق الصعوبات هو الذي أخرجها من تقهقرها وادخلها إلى مصاف الدول الكبيرة.
ح – من الأمراض شبه الصبيانية إلى القدرات الحيوية :
استطاع بن نبي أن يرصد الأمراض التي أصابت إنسان ما بعد الموحدين، من خلال محاكاة سقراط ولينين في فهم الذات البشرية. كما استفاد الغرب من تحليل مالك بن نبي لظاهرة الأمراض شبه الصبيانبة في فهم الذات العربية المعاصرة من خلال مشروع الاستحمار الجديد، وينبغي أن يستفيد العرب منها لفهم نفسيتهم ومركبات نقصهم.
لقد أكد مالك بن نبي أن تلك الأمراض ظلت لصيقة بإنسان ما بعد الموحدين، أما ونحن نعيش إنسان ما بعد-بعد الموحدين أو كما سميته سابقا إنسان ما بعد الانحطاط، فلزاما علينا أن ننتقل من رصد الأمراض إلى رصد القدرات والطاقات الكامنة التي من شأنها أن تساعدنا على وضع إنسان ما بعد الانحطاط على عتبات الحضارة في الألفيات القادمة.
تمتلك الذات الإسلامية قدرات رهيبة وطاقات حيوية فعالة، تحتاج فقط إلى تفعيل وشحذ، لقد بين لنا الربيع العربي مدى قوة الطاقة الحيوية المختزنة في التغيير والثورة، في الإبداع والخلق، لقد كنا نعتقد أن الإنسان العربي سلبته الأنظمة العربية المستبدة وعيه وعقله بيد أن الصعوبات فجرت الطاقات وحررت الوعي من الخوف والقهر، فثار المسلم وهو يرنو إلى مجتمع مدني جديد يُسجل معه القطيعة مع كل أشكال الخضوع والخنوع.
ط – من “علم تجديد الصّلة بالله” إلى “علم تجسيد الصّلة بالله”:
أراد مالك بن نبي أن يؤسس لعلم جديد يُؤطر علاقة الذات بخالقها، فاقترح تسميته ” علم تجديد الصلة بالله” حيث يقول : ” تغيير النفس معناه إقدارها على أن تتجاوز وضعها المألوف، وليس هذا من شأن “على الكلام”، بل هو من شأن منهاج “التصوف”. أو بعبارة أدق، هو من شأن علم لم يوضع له اسم بعد، ويمكن أن نسميه (تجديد الصلة بالله.)”12 بيد أن هذا العلم لم يضع له معالم ولم يصغ له الأطر ولا المعارف، وظل مجرد حكم عابر قدمه مالك بن نبي حتى يتجاوز ظاهرة الدروشة والتصوف السلبي. ونحن في هذا المقام نعتقد أن العالم الإسلامي لا يحتاج إلى علم يُجدد الصلة بالله بل يحتاج إلى علم يُجسد الصلّة بالله، فلدينا كثير من العلوم الإحيائية التي ترنو إلى تجديد الصّلة مع الله كالتّصوف، والفقه والعبادات … فالصّلاة هي في حد ذاتها تعمل على تجديد الصلة مع الله في اليوم خمس مرات لكنها غير قادرة أن تُجسد الصلة مع الله، فلما نجعل من الصلاة أو بعض العبادات محطات لتجسيد الصلة مع الله؟؟؟
ك- تجاوز أفكار اللحظة البنابية :
نعتقد أن القراءة النقدية لمؤلفات مالك بن نبي تكشف عن أرمده من المصطلحات والمفاهيم التي استعملها لحظتها لتعبر عن ما هو حادث أو كائن، ولتجعل من جهة أخرى أكثر التصاقا بواقعه، بيد أن تلك المفاهيم لم تعد مجدية اليوم، نظرا للتحولات العالمية والتغيرات الثقافية وسنورد بعض تلك المفاهيم : العالم الثالث، عدم الانحياز، الفكرة الآفروآسيوية، كومنولث إسلامي، شمال جنوب ، إسلام امبريالية، إسلام اشتراكية ….. وسنتعرض لها بالتفصيل في كتابنا القادم.

2- نقد نظريات بناء الإنسان
كنت قد شرحت وبيّنت نظرية بناء الإنسان في كتابي ( الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي)، وخلاصة القول أن نظرية بناء الإنسان تتأسس على جدلية إنسان الروح وإنسان الطين، فمالك بن نبي يحاول أن ينتصر لنظرية إنسان الرّوح على حساب نظرية إنسان الطين الغربية، وقد استعمل جملة من المرجعيات والمقدمات التي اعتبرها بمثابة القاعدة والبرهان. ونحن سنحاول في نقدنا أن ننطلق من قاعدة “الآداب” التي تُمثل “اللاشعور الجمعي” الذي يحتفظ بمكونات أي أمة من الأمم، وإذا أراد الباحث أن يطلع على نفسية الأفراد والجماعات،فعليه أن يطلع على آدابها وأشكال ثقافتها. تركزت إشكالية الإنسان عند بن نبي على الأدب الروائي في دراسة ميلاد الإنسان، وعندما نقرأ رواية بن طفيل الموسومة ب ( حي بن يقظان) نلاحظ نفسية الإنسان المثالي المتوجه نحو الحقيقة والكمال، وهذا يعني عند بن طفيل وجود ما سماه بن نبي “نقطة الصفر”،والمتمثلة في غياب الفكرة،فالصبي الذي دأب على الحياة الوحشية مع الطبيعة سرعان ما تحول من طفل متوحش (L’Enfantsouvage) إلى طفل متأنس من خلال موقف حرج،فموت الظبية عند ابن طفيل هي نقطة الصفر. وابن طفيل صور نفسية الطفل بكل دقة،فالقلق والهلع والتوتر النفسي انتابه مذ سقوط الظبية، ثم لما بلغ مرحلة اليأس من عودتها إلى الحياة تحررت نفسه من عقدة الخوف، ولنتأمل هذه الفقرة:” وما زال الهزال والضعف يستولي عليها ويتوالى إلى أن أدركها الموت جزع جزعا شديدا وكادت نفسه تفيض أسفا عليها. فكان ينظر إلى أذنيها وإلى عينيها فلا يرى بها آفة ظاهرة وكذلك ينظر إلى جميع أعضائها فلا يرى بشيء منها آفة، فكان يطمع أن يعثر على موضع الآفة فيزيلها عنها، فترجع إلى ما كانت عليه، فلم يتأت له شيء من ذلك ولا استطاعة.”13
أراد حي أن يعرف علة الموت، فعمد إلى تشريح الجثة، متنقلا من عضو إلى آخر حتى وصل إلى القلب واعتقد أن العلة تكمن فيه، لكن الصّبي يتجاوز الموقف ويعتبر أنّ العلة ليست مادية وإنّما تتعالى عن المادة إنّها جوهر روحاني لا يدرك بالحس.
ويظهر من السياق الروائي أنّ “الطفل الإنسان” خرج من الفراغ الكوني متجاوزا الأشياء كوحدة مادية، معتقدا أنّ كماله كإنسان يكمن في الروح وعالم الأفكار.
ونتابع حي في مشواره المعرفي، فبعد اكتشاف الروح يصل إلى فكرة الخلود وأخيرا فكرة الواحد الخلاّق أي الله.
ولعل بن نبي أورد القصة باعتبارها تعكس حاضر الأمة الإسلامية فالإنسان العربي والمسلم لازال يعيش مرحلة الطفل14 المُترع بالعالم المادي ( مخلفات حضارة الطين) فيحاول أن يملأ فراغه الكوني بالأشياء معتقدا أنّ بها يتم الكمال وتحصل السعادة والكينونة.
نلاحظ في المقابل الروائي دانيال دي فو يعتبر نقطة الصفر لبطله ربنسونكرزويه حين وجد نفسه على شاطئ الجزيرة، فتملكه الشعور بالعزلة والوحدة، فينتابه القلق والتوتر، فهو دوما يراقب الأفق لعله يبصر سفينة قادمة، ولما بلغ مرحلة اليأس من النجاة عكف على التّكيف مع الواقع، مبرزا أنّ جل ما ينقصه هو عالم الأشياء، فدأب على صناعة الأشياء وكان أكبر هوله صناعة منضدة. ولنتأمل الفترة التالية: ” لقد أنفقت وقتي كله في ذلك اليوم، وفي اليوم التالي في صنع طاولة لنفسي، ذلك أنني لم أكن آنذاك سوى عامل بائس ولكن الزمن والحاجة جعلا مني فيما بعد صانعا ممتازا.”15
ويبدو من خلال العرض الوجيز، أنّ الروايتين تحملان رؤى فلسفية، تتجه نحو بناء الإنسان النموذجي، كما نلمس من خلال طرح مالك بن نبي لروايتين المتناقضتين مدى تركيز الرجل على أنّ العامل الأساسي للتحرر من رواسب اللاشعور المرضي يكمن فيما يلي:
1- الفراغ الكوني: نقطة حاسمة ينبغي أن تمر بها الذّات معتبرا أنّها تمثل نقطة الصفر التي يعقبها مباشرة الميلاد.
2- العزلة الظرفية: عمل إيجابي باعتباره لحظة حاسمة يتم أثناءها مراجعة الذات ويليها اتخاذ القرار.
3- الفكرة: تمثل قمة الانبثاق الروحي لأنّ أزمة الإنسان لا تكمن فيما يفتقده من أشياء وإنّما فيما ينقصه من أفكار.
4- النفس: هي القوة الدافعة للتحرر، وينبغي أن يبدأ ميلاد الإنسان منها أولا، باعتبارها الصنوان الذي يحوي جميع رواسب الوهن، كما هو الحال بالنسبة للإنسان المسلم، ومن جهة أخرى يحوي جميع القوى المحركة لعملية التغيير.
– لعل السؤال الذي يفرض نفسه: ما جدوى الدراسة النفسية لبطلي الروايتين؟
1- يعكس ابن طفيل من خلال بطله حي بن يقظان طبيعة الإنسان المسلم المتعطش لعالم المثل، وهي رؤية فلسفية تحاول أن تلقي الضّوء على الجوانب الجوهرية في الإنسان مهما كان نوعه أو جنسه.
2- يعكس دنيال ديفو من خلال بطله ربنسونكروزيه طبيعة الإنسان الأبيض المتعطش للمادة، وهي رؤية فلسفية تحاول أن تفسر الوجود الإنساني على أساس المنفعة الناتجة عن العمل.
3- فرضية “الطفل المتوحش” لا أساس لها من الواقع فقد أثبت العالم النفساني واطسن عن طريق التجربة استحالة أنسنة الطفل المتوحش بعيدا عن العوامل الموضوعية والمتمثلة أساسا في المجتمع وعليه، فإنّ رواية ابن طفيل نقبلها على أنّها رؤية تجريدية أما فيما يخص رواية دانيال ديفو تبدو معقولة من حيث الواقع باعتبار ربسون إنسان بالغ وصل إلى الجزيرة بعد تحطم سفينته في المحيط.
ومن خلال هذه النقاط، نعود إلى أبعاد الدراسة لبطلي الرواية الإسلامية ونظيرتها الغربية، يبدو أنّ مالك بن نبي يحاول أن يبرز من خلالهما، أسباب ميلاد الإنسان وأسباب انحطاطه، مع إعطاء الميكانيزمات الأساسية لعملية البعث الحضاري وعلى هذا الأساس نسجل ما يلي:
– يحاول بن نبي أن يسجل انتصار إنسان الشيء وتراجع إنسان الفكرة، ومما يلاحظ إنّ إنسان الشيء يهيمن على جميع الأصعدة وبالتالي يتحكم في التاريخ والحضارة معا، ولعل السؤال: لما انتصر الشيء على الفكرة؟
– يحاول بن نبي أن يحلل الظاهرة وفق فلسفة التاريخ، مركزا على أنّ التاريخ حركته مبنية أساسا على جدلية الفكرة والشيء، فالعالم الإسلامي شهد ميلاد إنسان الفكرة بغار حراء بعد فراغ كوني شهده محمد(ص)، فالعزلة المؤقتة للنبي محمد جعلته يعود إلى المجتمع يحمل بين جوانبه دعوة، إنّها لحظة تماثل هبوط زرادشت من الجبل يحمل في ذهنه فلسفة جديدة، لقد قارن أرلوند تونبي بين هبوط الرسول بعد أن كان منعزلا وبين الكثير من العظماء16 ، فتوصل أن ميلاد الإنسان يكون دوما بعد العزلة لأنّها لحظة تخمر الأفكار.
ونلاحظ أيضا تطور “إنسان الفكرة” بعد مرور قرن من وفاة النبي، فنشهد ظهور إنسان العقل والقوة يتجلى وجوده العيني في مقولة شهيرة: “إذهبي آنى شئت -الغمام- فإن خراجك لي”17
غير أنّ معالم الأفول تظهر على “الإنسان الشاهد” حين كان المغولي يأتي بأسرى المسلمين ويبطحهم أرضا ثم يكسر جماجمهم بحجر وهم أحياء، فلا يقدر أحد منهم أن يحرك ساكنا، لأنّهم فقدوا كلّ فعالية للتحدي.
إن إنسان الغريزة والشيء كان ميلاده متزامنا مع موت “إنسان الفكرة” والتاريخ يعرض صورة حية لهذا التّحول التاريخي لما بكى الأمير محمد الصغير غرناطة وجيوش الأسبان تتأهب لدخولها بعد ثماني قرون من التواجد الفعلي “للإنسان الشاهد” .
حاول مالك بن نبي أن يربط بناء الإنسان بعالم الأفكار والمثل أولا، متخذا من شخصية حي ابن يقظان الأنموذج والباراديغم، غير أننا نقول أن مالك بن نبي لم يكن واقعيا في طرح مسألة بناء “المسلم الجديد” لأن وضع المقدمات تفرض التّقيد بالنتائج، فحي بن يقظان كانت نتيجة مشواره العودة إلى الجزيرة مع آسال بعد أن فقد الأمل في تغيير الجماعة وسلوك المدينة، فحي آخر الأمر لاذ بالفرار وقبل التّوحد والتّفرد والانعزال، فهل مالك بن نبي يريد أن يكون أنموذجه الجديد مماثلا لأنموذجه النظري؟؟
ونلاحظ العكس تماما مع شخصية ربنسون، فالرجل آخر الأمر يخرج من الجزيرة ليعود إلى المدينة محملا بتجربته الفذة … فأيهما يصلح كنموذج لبناء النظرية الذي ترك الجزيرة إلى المدينة أم الذي اختار آخر الأمر البقاء في جزيرة منعزلة….؟؟؟؟
1- إن النزعة المثالية في فكر مالك بن نبي دفعته إلى تقديس الفكرة والروح، فظن أن المسلم لا يمكن أن يتقدم إلا بالرجوع إلى الفكرة مثل حي بن يقظان تماما، لكن نحن نعتقد أن الفكرة والروح تبني فقط النخبة أما الكثرة فيتم تربيتهم بعالم الأشياء والأشخاص.
2- مادام بن نبي وظف قصة حي بن يقظان ليبرهن على مشكلة الإنسان والأفكار في العلم الإسلامي، فنذكرُ مالك بن نبي أن نهاية حي بن يقظان كانت العودة إلى الجزيرة واعتزال البشر بعد أن يأس من أصلاحهم رفقة أسال، ونحن نقول أن الإيمان بالمقدمات يفرض أيضا التسليم بالنتائج، فالقصة التي جاءت لتدفع المسلم نحو عالم المثل والروح تدعو آخر الأمر إلى الانعزال والتفرد، وعليه هي دعوة صريحة للخروج من التاريخ والحضارة.
3- لقد انتقد بن نبي ربسون حين اهتم بعالم الأشياء ( الحضارة الغربية) لكن نهاية قصة ربسون هي العودة إلى المدينة والحضارة، وأعاد استثمار تجربته في فضاء صناعي جديد. فأي الخاتمتين تتصل بمسألة الحضارة والفاعلية ؟؟ هل التوحد والتفرد في جزيرة منعزلة؟؟؟ أم التمدن والعودة إلى حضن المجتمع؟؟؟
ومن خلال ما سبق نعتقد أن نظرية بناء الإنسان لا بد أن نعيد تفعيل بعض بنودها وفق التصور التالي:
– من وعي الصعوبات إلى خلق الصعوبات ( التجربة الماليزية + التجربة التركية)
– من الفراغ الكوني والقنوت إلى الاحتواء الكوني (المغامرة مثلما حدث مع الغرب في الاكتشافات الجغرافية).
– استبدال نظرية التّوتر الخلاق بنظرية الرغبة البناءة: لأن التوتر حالة حيوانية بيولوجية وفزيولوجية بينما الرغبة البناءة حالة إنسانية.
– من كوجيتو الروح إلى كوجيتو الشاهدية : لا بد أن نُخرج الفكر البٍّنابي من كوجيتو الروح المثالية والمتعالية نحوكوجيتو الشّاهدية” أنا أشهد إذن أنا موجود.”
– من الحريات الفردية إلى الحريات المنتجة: العالم الإسلامي مشكلته ليست في غياب الحرية أو ووعيها بل غياب الحريات المنتجة، ونقصد الحرية التي تجعل من الممارسة والفعل غايتها ونهايتها.
– من الديمقراطية الشعبية إلى الديمقراطية النخبوية: ركز مالك بن نبي على دور الديمقراطية في بناء الإنسان المستقبلي، غير أنه انساق نحو التوفيق التلفيقي حين تحدث عن تصور لنظام سياسي قائم على المزاوجة بين الإسلام والديمقراطية، بيد أننا اليوم أكثر وعيا بضرورة التحرر من الديمقراطية الديمغاوجية حسب تعبير فانيس أرسطو طاليس ونتجه نحو الديمقراطية النخبوية.
2- نقد فلسفته للتاريخ :
تحدث مالك بن نبي كثيرا عن ضرورة وضع فلسفة للتاريخ تتماشى والرؤية والإسلامية لمفهومه وماهيته، وقد تأثر كثيرا بنظرية ابن خلدون التي تحاول تفسير التاريخ بناء على نظرية الدّورة، حيث يفرض الإيمان بقانون الدورة وضع ثلاث حركات للأطر المُحركة للتاريخ أصلا، فالدولة على سبيل المثال تمر عبر ثلاث مراحل : ميلاد + قوة+ ضعف، أي : طفولة + شباب+ شيخوخة.
نعتقد أن فلسفة التّاريخ القائمة على التفسير البيولوجي لا تُفسر التّاريخ بقدر ما تُقننه في حركات غير مبرهن عليها تاريخيا، فسقوط الدولة أو العصبية لا يعني بالضرورة نهاية التاريخ بالمعنى الفلسفي، كما أن مالك بن نبي وظفها لكونها تقترب أكثر من منهجه القائم على ترييض وتكميم الظاهرة، ثم وضعها ضمن معادلات حضارية.
نعتقد أن فهم التاريخ يكون على أساس قانون المكر الكوني وفق الرؤية القرآنية، ثم وفق والرؤية الهيجلية،لأن الله صرح أن التاريخ يخضع لأرادته القائمة على اختبار إرادة البشر وفق آليات المكر الإلهي، فالله قادر أن يستبدل أمة بأخرى، وقادر في الوقت ذاته أن يجعل السيادة على الكون تسير وفق مبدأ التداول. لا يجب تفسير مبدأ التداول القرآني على أنه يُفيد الدورة أو المنحنى التاريخي الذي وظفه مالك بن نبي، بل قانون التداول يٌفيد عدم سيطرة أمة على التاريخ والحضارة إلى الأبد .
ونحن نقترح لفهم التاريخ أن ننطلق من الرؤى التّالية:
أ‌- من الحضارة إلى اللاحضارة ( فهم مكر الماضي.)
ب‌- من أفق الحضارة إلى وعي المكر ( فهم مقاصد العصر)
ت‌- من مكر التاريخ إلى مكر العقل .( فهم مطالب الغد)
ث‌- من مكر العقل إلى مكر الغريزة. ( فهم غايات الوجود)
ج‌- من مكر الغريزة إلى مكر الله. (فهم الحكمة من الخلق )

3- نقد المنهج.
استعمل مالك بن نبي زمرة من المناهج العالمية المعروفة والمشهورة، ولم يُبدع منهجا خاصا به، بل جل ما فعله محاولة التركيب بين قواعد بعض المناهج الأكثر شهرة ضمن منهج واحد، ولفهم المسألة نعرضها على الوتيرة التالية:
1 – من منهج التركيب إلى منهج النقد والتحليل :
يُطلق مصطلح “صائدو الأفكار” على كل مفكر يعتمد أسلوب الانتقاء والاصطفاء، إذ يعمد إلى دراسة أفكار ونظريات غيره، فينتقي منها ما يراه صائبا. ويكون في آخر الأمر قد كوّن كما معرفيا، يصطلح على تسميته بالشتات المعرفي(Polmathie).
وبعد أن يتم جمع الشتات، تأتي المرحلة الثانية وهي التركيب فيغدو الشتات بحكم منطق التركيب إما نظرية جديدة تحمل أبعادا متنوعة، أو تصبح نظرية فلسفية أو منهجا.
اتصف بن نبي بقدرته على احتواء الفكر الموازي، مما جعله ينتقي الأفكار والحقائق التي تخدم قضيته العامة، وحتى يخرج من دائرة القرصنة الفكرية، حاول أن يعمد إلى التركيب لكي يخرج في آخر الأمر جملة من النظريات ذات تناسق جمالي ومنطقي.
ولقد شهد الفكر الإيطالي نموذجا كابن نبي يتمثل في السياسي والمفكر بيندتوكروتشي، لكن هل الانتقاء والبولوماثية تجعل المفكر مجرد حلقة وصل؟
إن بن نبي يستعمل ضمن المنهج الواحد عدة قواعد، حيث تحضر قواعد ديكارت خاصة قاعدة البداهة والوضوح مع حركات المنهج الماركسي الثلاث، ويتم تشييعهما بقواعد المدرسة الظواهرية خاصة قاعدتي القصدية والإيبوخية. كما يحاول أن يُسيجهما بأطر إبستميةبشلارية خاصة مفهوم القطيعة.
2-التحرر من النزعات اللامنطوقة في فكر مالك بن نبي: ونقصد أن مالك بن نبي وظف عدة مدارس بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وجاء ذلك التوظيف أحيانا مضرا ببنية النظرية أو التصور لعدم إمكانية جمع المتناقضات ضمن فضاء واحد، وعلى سبيل المثال نلاحظ توظيفه: للوضعية، البرغماتية، الإحيائية، الحدسانية، الثيموسيةالنيتشوية … في حين أن السياق البنيوي لكل نظرية يتجه صوب رؤية خاصة.
3-التحرر من الفكر الموسوعي والتوجه نحو الفكر المتخصص، فالبنابية الجديدة لا بد أن تتأسس على منطق الخلايا لا على منطق الفرد،فالفكر القديم عموما، تميز بالفكر الموسوعي، فقلما نجد مفكرا حصر نفسه في إطار ضيق أو أسر نفسه في تخصص معين، بل نجده على العكس تماما، يغرف من كل علم، ولعل الثقافة الاجتماعية السائدة آنذاك فرضت هذا النمط. بيد أننا اليوم لابد أن نقر أن منهج العمل والنظر لا بد أن يكون أكثر تخصصا وأكثر ارتباط بالمؤسسات، فعصر النوابغ والأفراد والأبطال قد ولى وأصبح العصر اليوم يؤمن بالفكر المؤسساتي.

4- وقفات مع استشرافات مالك بن نبي.
يفرض التنظير على صاحبه النظر إلى المستقبل ومحاولة استشرافه والتنبؤ، واستطاع مالك بن نبي فعلا أن يستشرف المستقبل، وصدقت بعض توقعاته التي سنحاول أن نقدمها وفق الرؤية التالية:
1- أزمة المجتمع الرأسمالي ونهايته:
أعتقد شخصيا أن فهم القضايا المستقبلية يتم من خلال المقارنة بين مالك بن نبي وغيره ممن استشرفوا المستقبل، وبما أن موضوع البحث يتمحور حول نهاية المجتمع الاستهلاكي فاخترنا المقارنة بين استشرافات مالك بن نبي واستشرافاتهربرتماركوز18، حيث شكل موضوع نهاية المجتمع الاستهلاكي أزمة فعلية في تصورات الفلاسفة وعلماء الاجتماع، فالتحولات العميقة والخطيرة التي طرأت على بِنية المجتمع الغربي كانت تفرض وجود توقعات وتصورات حول النهاية المشروطة بتلك التّغيرات. وليس الغرض من المقارنة في هذا البحث الوصول إلى نقاط الاتفاق والاختلاف فحسب، بل كذلك نقد وسائل وطرق الاستشراف.
ليست المساءلة النقدية مجرد عرض لما ينبغي أن يكون، ولما ينبغي أن لا يكون، بل هي في حد ذاتها عملية تتطلب من الباحث تجاوز الإيديولوجي والذاتي، وفهم القضايا بناءً على ظروفها التاريخية والثقافية. سنحاول في نقدنا لمالك بن نبي أن نُخرج النّقد من إطار المدح والمفاضلة أو من إطار القدح والتجريح إلى إطار المقارنة، لأن منهج المقارنة يحقق نوعا من الموضوعية،إذ أن المماثلة النموذجية بين “إنسان بن نبي” و” إنسان ماركوز” توضح الملامح الهامة والعامة لتقيم النموذج المستقبلي لمالك بن نبي.
ولعل السؤال المطروح : لما اخترت المفكر ماركوز بالذات ؟
يُعتبر هربرتماركوز،من بين أهم المفكرين الغربيين الثائرين على المجتمع الغربي، ولقد وضع فلسفة تغيرية تعتمد على نقد وتقييم “مركزية الإنسان” (ANTHROPOCENTRISME)، يصور في كتابة (الإنسان ذو البعد الواحد) حقيقة الإنسان الغربي، والذي يعتبره نموذجا مرفوضا غير مرغوب فيه، ويحاول أن يتنبأ بالإنسان المستقبلي الذي يحتل صدارة أحداث الألفية الثالثة. حيث يقول ماركوز :” فالإنسان الأحادي البعد سيتأرجح بين فرضيتين متناقضتين: -إما أن المجتمع الصناعي المتقدم قادر على الحيلولة دون تحول نوعي للمجتمع في المستقبل المباشر، -وإما أن هناك قوى وميولا قادرة على التجاوز وعلى تغيير المجتمع.”19
جاء اختياري له كطرف في المقارنة، لكونه يمثل أحد دعاة التغيير، وإعادة الاعتبار إلى الإنسان. وماركوز يُمكن وضعه في قائمة المفكرين الغربيين الثائرين على النموذج القائم في الغرب أمثال ألكسيس كاريل وويلسن كولون… إلخ.
وبعد هذه التوطئة نعود إلى موضوع المقارنة، والتي تتطلب من مستعملها خطوات مضبوطة أكاديميا وهي كالتالي:
عندما نطلع على نظرية ماركوز حول “الإنسان ” نلاحظ مدى التشابه الحاصل بينه وبين مالك خاصة في النقاط التالية :
1- كلا المفكرين جعلا الإنسان مقياس التغيير أو الانحطاط وبذلك فالإنسان القوة الوحيدة، والرصيد الذي لا ينفذ ولا ينتقص منه الزمن شيئا. كما يمثل نقطة التحول من الكمال إلى السفالة أومن السفالة إلى الكمال.
2- كلا المفكرين درسا الإنسان من جهة “ديالكتية” من خلال القاعدة المشهورة “الإنسان من معكوس ما هو عليه”.
3- يلعب العنصر الحضاري دورا فعالا في كلا الطرحين، فماركيوز يربط ميلاد الحضارة وانحطاطها بحضور النموذج المتعالي والحال نفسه عند مالك بن نبي.
4- كلاهما يتفق أن القوة الروحية هي الوسيلة الفضلى لإعادة الإنسان إلى المسار الحقيقي أي إلى ما كان ينبغي أن يكون عليه من نقيض ما هو عليه.
5- كلاهما تنبأ بأفول الإنسان الغربي والمجتمع الاستهلاكي.
لكن أين يمكن الاختلاف ؟
1- يتناول ماركيوز مشكلة الإنسان من منظور رجل حضارة القرن، وهو لا يعاني من مشكلة اللاحضارة. في حين أن مالك بن نبي يتناول المشكلة من معكوس الأول. ومنه اختلفت نظرية كل منهما، فماركيوز يدرس أسباب فقدان الإنسان الغربي إنسانيته : ” الرفاه، الفاعلية، افتقاد الحرية في إطار ديمقراطي: ذلكم ما هو ما يُميز الحضارة الصناعية.”20 في حين يدرس بن نبي أسباب فقدان المسلم حضارته وخروجه من التاريخ، فالتاريخ عند بن نبي توقف عند 1339 [سقوط دولة الموحدين ].
2- يضع ماركوز مصطلحين للإنسان، فالإنسان الغربي الحاضر يجسد نموذج سلبي اصطلح على تسمية “الإنسان الاستهلاكي” أي إنسان البضاعة، الذي غاص في البعد الاقتصادي ففقد كل الأبعاد الأخرى، والسّياق النظري لماركوز يوضح أن الإنسان لا يقف عند الاستهلاك بل سيتحول في زمن قريب إلى حيوان منتج فقط. ومنه فماركوز يرى أن الإنسان سلبه المجتمع الصناعي إنسانيته، وجعله مجرد حيوان منتج لا غير.
يعتبر مالك بن نبي “الإنسان السلبي” هو الذي ظهر مع مجتمع ما بعد الموحدين، والذي فقد كل خصائص الإنسان الشاهد، وتحول مع مرور الزمن إلى مجرد كتلة من اللحم متحركة، يأخذ عنده عدة مفاهيم كالوثن أو الدرويش …الخ
3- تعود أسباب التّحول عند ماركوز إلى همجية المجتمع الصناعي، الذي غرق في الفلسفة البرغماتية حتى النخاع. حيث أن المجتمع الصناعي يحاول أن يُكيف الفرد مع المجموع وفق مبدأ “التماثل” (Identification). يقول ماركوز ما يلي: ” إن المجتمع الصناعي المتقدم يعتمد إلى تحقيق تماثل مطلق بين الفرد والمجموع، وبالتالي بينه وبين المجتمع من خلال عملية موجهة بشكل عملي مدروس.”21
أما مالك بن نبي، فيعتقد أن سبب التّحول يعود إلى الأمراض التي أصبت مجتمع ما بعد الموحدين، فالأمر لا يعود إلى الهمجية بل يعود إلى الدروشة و”النكوص اللاشعوري” إلى إنسان ما قبل الحضارة أصلا.
4- يعتقد ماركوز أن المعارف الروحية والعقلانية والنقدية ستفقد حضورها مستقبلا في الفكر الغربي باعتبارها حاجزا أمام الهمجية، عندئذ لا تتوقف الهمجية أمام أي حاجز مهما كان: ” فإن المعارف الروحية التي يمكن أن تقف في وجه مثل هذا المجتمع القمعي المبطن هي في طريقها إلى التلاشي، كما أن قدرة العقل النقدية قد تصبح معطلة أو ملغاة، فالعقلانية التكنولوجية تفرض على الجميع نفس المنتجات ونفس الوسائل.”22
أما مالك بن نبي فيعتقد العكس تماما، إذ يجعل المعارف الروحية هي المخرج من الصعوبات التي يعيشها إنسان ما بعد الموحدين. كما أن العقل النقدي الإسلامي مؤهل لتخطي الصعوبات من منظور “نظرية التوتر”.
5- يعتقد ماركوز أن السياج الاستهلاكي يحول الإنسان الغربي إلى مجرد كتلة (Masse)، عندئذ تصبح سيطرت الشيء أكيدة ومهيمنة، وعندما يصبح الشيء هو البعد الواحد والوحيد سيتوقف تاريخ الإنسان الغربي، لأن بنية المجتمع الحر قائمة على معادلة صعبة وخطرة:” إن المشروع الحر لا يُشكل في الأصل نجاحا تاما وكاملا. إذ لم تكن الحرية آنذاك إلا العمل أو الموت جوعا، ولم تكن تعني إلا الكدح وعدم الأمان والقلق بالنسبة إلى الغالبية العظمى من السكان.”23 وهذا يعني أن مقاومة الجوع والموت يهي توفير الشيء القابل للاستهلاك.
بيد أن مالك بن نبي يرى حضور الشيء حدث منذ قرون عدة، وأن العصر الحالي يعتبر عصر الإنعتاق والتحرر من مرض الشيئية.
نلاحظ من خلال ما سبق، أن إنسان ماركوز يتجه نحو الانحطاط أو الأفول (DECLIN) كما اعتقد أزفولدشبنجلر في سنة 1924، بينما إنسان بن نبي يتجه نحو التحرر من مرحلة ما بعد الحضارة، ويمكن أن تصبح الألفية الثالثة هي التي تؤسس لمرحلة الإمكان الحضاري.
6- نلاحظ أن فلسفة ماركوز تتجه نحو التشاؤم، إذ يرسم صورة سوداء وقاتمة عن حاضر ومستقبل الإنسان الغربي في حركية المجتمع الصناعي :” إن المجتمع الذي يتفاقم فيه الصراع في سبيل البقاء بنتيجة تزايد عدد سكانه لهو مجتمع مجرم.”24 والحكم السالف جاء نتيجة إيمان ماركوز بأن الإنسان الغربي الراهن هو إنسان مقموع في كل جوانبه، سواء من حيث بنيته السيكولوجية أو من خلال نظامه السياسي :” إن مفهوم الإنسان المشتق من النظرية الفرويدية، هو فعل الاتهام الأقصى الذي لا يمكن دحضه، ضد الحضارة الغربية، وفي الوقت ذاته هو أفضل دفاع لصالحها لا يمكن رده. فإن تاريخ الإنسان بحسب فرويد هو تاريخ قمعه.”25 ، بينما مالك بن نبي يرسم صورة تفاؤلية لإنسان الغد في إطار مجتمع إسلامي عالمي وحضاري لا يقوم على القمع بل يقوم على مبدأ الكرامة والحرية كحقل للمواطنة، ومبدأ التعارف والتآلف كحقل للتّجاور والتّحاور.
7- رغم اتفاقهما على ضرورة الإنقاذ والبناء، فإن ماركوز يرى أن إنقاذ الإنسان من همجية المجتمع الصناعي ينبغي أن تكون وفق فلسفة فوضوية تامة، تبدأ معالمها الأولى في وجود قطيعة مع المفهومية الماركسية واللبيرالية البرغماتية من أجل ظهور نموذج إنساني جديد يأخذ صورة “اللاّمنتمي” حسب تعبير ويلسون كولون في كتابه (Non-engage).
إن الإنسان المستقبلي يصطلح ماركوز على تسميته بالإنسان البربري أو الهمجي، وهو إنسان خارج عن القانون، متمرد، لا يعترف بالتفكير الليبرالي ولا الماركسي …والغرض من وجود هذا النموذج إحداث ثورة بربرية، قد تحدث تغييرا اجتماعيا، ينقذ الإنسان من فلسفة الاستهلاك والإنتاج.
بينما مالك بن نبي يرى أن إنقاذ الإنسان ينبغي أن يسير وفق فلسفة إحيائية بنائية، يحكمها العقل والمنطق والجمال، ويختلف مع ماركوز في كونه يطلب ضرورة وجود المفهومية باعتبارها الفاعلية التي تحرك : اليد، القلب، العقل.
نلاحظ أن النموذج المطلوب في فكر مالك بن نبي إيجابي ومعقول، بعيد كل البعد عن الهمجية والفوضى، بل نموذج يحمل صفتين قرآنيتين “الرشاد” و”الشّاهدية”. ومنه نلاحظ أن بن نبي يحاول تحطيم “الإنسان التائه”، أما ماركوز يحاول الثورة على الإنسان المنتج والمستهلك، والمجتمع الصناعي المادي لمجرد غرض إيديولوجي بحت.
8- الإنسان المستقبلي عند ماركوز يتطلب شروطا، تتمثل في انسجام الطبقات المعذبة في الأرض (عالم الأشخاص) والوعي الإنساني أكثر تحررا (عالم الأفكار)، والغاية هي تجاوز إيديولوجية الإنتاج والاستهلاك : ” ولكن ما تزال هناك تحت الطبقات الشعبية المحافظة، طبقة المنبوذين و”اللاّمنتمين” والعروق الأخرى، والطبقات المستغلة والمضطهدة، والعاطلون عن العمل والعاجزون عنه. إن هؤلاء النّاس يقفون خارج الصيرورة الديمقراطية، وحياتهم تُعبر عن الحاجة الملحة والمباشرة والواقعية على وضع حد للشروط والمؤسسات التي لا تُطاق أو تحتمل. وعلى هذا فإن معارضتهم ثورية حتى وإن لم يكن وعيهم ثوريا.”26
أما الإنسان المستقبلي عند مالك بن نبي يتطلب شروطا تتمثل في التطهير الذاتي كأول خطوة،ثم خلق جو للتوتر يؤدي إلى التغيير،مع شروط موضوعية تتجلى في إيجاد علاقة بين عالم الأشخاص والأفكار والأشياء،والخروج من التاريخ المتوقف لا يكون إلا بمدى توفير الشروط،وكتاب “شروط النهضة” لمالك بن نبي يوضحها تماما،ولعل النموذجين من خلال الاصطلاح فقط،يعبران عن مدى الفرق بين النظريتين .
يكمن التداخل بين الاسشرافين في نقطة جوهرية تتمثل في مستقبل الإنسان، فكلاهما ركزا عليه تركيزا شديدا، رغم أن إنسان ماركوز يحمل ملامح الانحطاط والأفول ويمكن أن نعتبره امتداد للمدرسة التشاؤمية الغربية، وبالضبط استمرارا للطرح الشبنجليري. أما بن نبي فالإنسان يحمل ملامح الغد ولعله يتجه نحو المثالية المتفائلة والموضوعية في الوقت نفسه. و الأمر المهم في المقارنة أن نستشف مدى ضرورة رد الاعتبار للإنسان، واعتباره مركز كل عمل خلاق وعمل حضاري مستقبلي.
يبدأ أفول حضارة ما بانحطاطه أولا، كما أن بناء حضارة ما يتم ببنائه أولا. ونستنتج من خلال ماسبق :
1- نظرية بن نبي تحررت من التفكير التقليدي الذي حصر واقع العالم الإسلامي في مشكلات العقيدة والفقه.
2- بروز معالم التفكير العالمي في الطرح البنابي، مما يجعل النظرية تمتلك الحس المعرفي،والنظرة المستقبلية، وتصلح أن تكون مشروعا تربويا.
3- نعتبر “الإنسان النموذج” عند مالك بن نبي هو تجاوز لفكرة “نهاية التّاريخ”،سواء التي نادى بها هيجل أو التي ينادي بها حاليا فرانسيس فوكوياما.
2- نهاية التاريخ والأقطاب الجديدة:
تعكس فلسفة التاريخ حقيقة تكاد تكون من البدائه التي لا تحتاج إلى برهان، فالتاريخ البشري وعى سنة كونية منذ أن وعي الإنسان وجوده الحقيقي، تمكن في كون الله أقر مبدأ أبديا يتجلى في الدفع أو التّدافع، إن التاريخ نفسه لم يبدأ إلا عندما وصل التّدافع نقطة قصوى جعلت الإنسان يعيش أبعادا. فالتدافع كحتمية تاريخية حتمت ضرورة تأييد كل جيل لآناه الذّاتي والأعلى معا، لكي يثبت للخلف وجوده الفعلي في الحقل التاريخي .
ونعود إلى موضوعنا الأصلي، فالتاريخ لا يسع أكثر من نموذجين على أكثر من منطق قانون الصراع، ولقد شهد القرن العشرين خاصة استقطاب نموذجين للتاريخ والحضارة، تمثل في “الإنسان الرفيق” ونظيره “الإنسان الحر”. وبالرغم من ظهور بعض النماذج إلا أن التاريخ لفظها،كونها لم تكتسب بعد ميكانزمات التحدي والتدافع .
إن أحداث القرن كان محورها واشنطن- موسكو في أغلب الأزمان المتعاقبة، وكان من المنطق أن يأفل نموذج من الاثنين، مما جعل أغلب الدراسات المستقبلية تتنبأ بسقوط النموذج الشيوعي، ويعني من وجهه فلسفة التّاريخ ضرورة بروز نموذج جديد يكون بمثابة النقيض للنموذج الرأسمالي المهيمن.
ومن هذه النقطة بالذات تبدأ الإشكالية: من يكون النظير؟ وما إديولوجيته؟…إلخ نلاحظ أن مالك بن نبي في جل كتبه يتنبأ ببروز الإنسان الشّاهد،جاعلا من القرن القادم موعدا لميلاده وانبعاثه. ويكون بذلك مالك بن نبي قد سبق بعض الأطروحات االلاحقة التي تنبأت بظهور نماذج جديدة، يقول في مسالة المستقبل : ” إن الغيب بيد الله … إننا نقدر من الأمور أبسطها . لا شك أن كل التّطورات تنبع من هذا وذاك. من التخلف والتقدم الحاصل لمرض الروح والنفس. وكل الأحداث التي سوف يعرفها عالمنا في الثلاثين سنة المقبلة ستكون نتيجة التفاعل بين التخلف المادي ( العالم الإسلامي) والتخلف الروحي (العالم المصنع. هذه صورة المشكلة العالمية بوجهيها. الصنف الاجتماعي والاقتصادي ( ونتائجه في المجال النفسي) والصنف الروحي ( وجوهر مشاكله روحية) هذه هي الخريطة العالمية التي سيحدث إن شاء الله في نطاقها التفاعل بيننا وبين الآخرين وبينهم وبيننا.”27
ارتأيت على هذا الأساس، أن أجري مقارنة بين مالك بن نبي وبين مفكر تنبأ هو الآخر بالمستقبل،وفق منهج نابع من فلسفة التاريخ .إن فرانسيس فوكو ياما يثير جدلا حادا في وقتنا الحاضر،بعد صدور كتابه “نهاية التاريخ ” أو” الرجل الأخير “،حيث يرى أن المجتمع الليبرالي اكتسب حصانة حضارية ضد الأفول، وبالتالي يمثل بهذه الصورة آخر حلقة للتاريخ الجدلي،وبالرغم من ذلك إلا إنه لا ينفي إمكانية بروز أنموذج جديد،يخلف النّموذج الشّيوعي الآفل . فما يتفقان؟؟؟
1- كلاهما يعتقد حتمية ظهور نموذج جديد، يكون بمثابة قوة جديدة تغير من معطيات الواقع العالمي المختل، ويعيد التوازن التاريخي المفقود. فلقد تنبأ مالك بن نبي بسقوط النظام الشيوعي وظهور تحالف قوي بين اليهودية والرأسمالية ضد العالم الإسلامي، وهو نفسه التنبؤ الذي توقعه فوكو . يقول مالك بن نبي :” إن الغرب انتهى بشيوعيتهومسيحيته … إن الأزمة النفسية طغت على العالم المسيحي وبدأت تنهش هيكل العالم الاشتراكي. إذن في نظرة بعيدة المدى للتطور في الثلاثين سنة القادمة إن شاء الله ستكون المعركة بين الإسلام والشيوعية.”28
2- كلاهما يعتقدان أن النموذج الجديد يظهر من البوتقة الآسيوية،فالإنسان الآسيوي عند بن نبي وفوكو يمتلك خصائص ومميزات تؤهله لكي يكون النظير والأمثل، والنموذج الفذ. فالنموذج على سبيل المثال يعتبره فوكو نموذجا مستقبليا لكونه يعتمد على القيم :” وإنما كانت حركة الإحياء هذه تأكيدا جديدا للحنين على مجموعة من القيم أكثر عراقة ونقاء، يُقال أنها كانت قائمة في الماضي البعيد.”29
3- الظاهرة الإسلامية تجد حضورها في كلا الطرحين،وإن اختلفا في مضمون التحليل،ومبدأ الأولوية والمؤهلات التي تتمتع بها القوى الإسلامية،دون أن ننسى عقيدة كل طرف.
لكن فيما يختلفان ؟؟؟
تُبين الدّراسة النقدية بوضوح مدى اختلاف الرؤيتين المستقبليتين في النقاط التالي:
1-ينطلق مالك بن نبي في استشراف المستقبلي من قاعدة الإمكان الحضاري والذي يري أنه هو الآداة التي بها يمكن معرفة النماذج المستقبلية، فالإمكان الحضاري مرتبط بقاعدة التهيئة، فالشعب المهيأ نفسيا للحضارة بإمكانه أن يحدث الانقلاب الكوني : ” وناء على تحديد مصطلح الحضارة نفصل بين جانبين، الأول: الجانب المعنوي (الشروط المعنوية)، والثاني: الجانب المادي (الشروط المادية). نجمع هذه الشروط المادية في كلمة نسميها الإرادة الحضاريةLevouloir)، ونجمع الشروط المادية في كلمة نسميها الإمكان الحضاري (Lepouvoir) وإذا تحقق احد هذين الأمرين فقط في مجتمع فإن هذا المجتمع لا يستطيع أن يُحقق الضمانات الاجتماعية لكل أفراده.”30
بينا يعتقد فوكو أن الاستشراف لا بد أن يُبنى على (الثيموس): ” فمسألة نهاية التاريخ إذن هي مسالة مستقبل الثيموس.” 31والثّيموس الموظف من قبله يقوم على الجدل بين رغبتين : الأولى نيل الاعتراف بالتفوق ( الميجالو)، والثانية نيل الاعتراف بالندية ( الإيسو). يقول موضحا ما سبق : ” إن إدراك أهمية الرغبة في الاعتراف والتقدير باعتبارهما محركا للتاريخ ، يُتيح لنا إعادة تفسير الكثير من الظواهر التي تبدو مع ذلك مألوفة لدينا، كالثقافة، والدين والعمل، والقومية، والحرب.”32
2- يتنبأ مالك بن نبي بظهور النموذج الأسيوي كقطب محوري للصراع،لكن يربطه بالقوى الإسلامية،والتي يصطلح عليها اقتصاديا بالنمور المتحفزة،وهي الدول التي تقع في جنوب آسيا،وبننبي يؤهل بالذّات كلا من الإنسان الماليزي والأندونيسي، ويعلل ذلك كون الدولتين تملكان باعثين : الأول مادي اقتصادي،والثاني روحي معنوي، بينما فوكو ياما يعتقد أن النموذج الآسيوي المؤهل لخلافه النموذج الشيوعي الآفل يتمثل في البلدان التي يصطلح على تسميتها بالتنينات الأربعة خاصة الصين ، اليابان، سنغافورة :” ويبدو في ضوء مثل هذه الاعتبارات أن آسيا، بصفة عامة، وأن اليابان بصفة خاصة، تمر بنقطة حرجة في تاريخ العالم. وبالوسع أن نتخيل آسيا وهي تتحرك في اتجاهين متباينين بعض الشيء ( الاتجاه الاقتصادي و الاتجاه السياسي الليبرالي.).”33
3– النموذج الإسلامي عند بن نبي يمثل قطب الرحى في الألفية الثالثة لامتلاكه ثلاثة قوى دافعة وفعالة :
1- القلب: الدفعة الإيمانية التي تحث الإنسان على الرسالية والاستعلاء الحضاري الإيجابي .
2- العقل: الشحنة التأملية الخلاقة،خاصة أن العقل الإسلامي يمتلك بوادر التّجدد.
3- اليد: تمثل الأطر الشابة في العالم الإسلامي الأغلبية العظمى، وهي لا تحتاج إلا إلى فتح المجالات أمام قدراتها الإبداعية.
أما فوكو ياما فيقف موقفا حذار من النّموذج الأصولي الإسلامي:”فحركة الإحياء الراهنة للأصولية الإسلامية التي نلمسها في كل دول العالم تقريبا ذات التعداد الكبير من المسلمين، يمكن اعتبارها رد فعل لفشل المجتمعات الإسلامية في الحفاظ على كرامتها في مواجهة الغرب غير المسلم.”34 بالرغم من التحفظ على الظاهرة الأصولية فأنه يرشحها كأحد النماذج المستقبلية للألفية الثالثة،بيد أنه يفضل النموذج الأسيوي لتميزه عن النموذج الإسلامي بالمؤسسات الاقتصادية الكبرى، والقوة السياسية والعسكرية خاصة الصين .
ويعلل عدم قدرة النموذج الأصولي على التحدي كون معظم الدول الإسلامية تعيش حالة تخلف،وتشرذم سياسي.
4– يراهن بن نبي على الظاهرة الدينية كبديل للظاهرة الإيديولوجية،لما يحمله الدين من أبعاد حضارية ونفسية وتاريخية،كما أن الإنسان الجنوبي عموما كائن متدين بالتقادم التاريخي .أما فوكو ياما فيراهن على الديمقراطية السياسية كمبدأ وقاعدة عامة لدخول حلبة التاريخ،ويعلل ذلك كون الظاهرة الليبرالية بدأت تعم العالم بمفاهيمها السياسية وفلسفتها الاقتصادية،وتجد لنفسها نفوذا واستقطابا لطابعها البراغماتي.
5– أساس فلسفة مالك بن نبي التاريخية يكمن في نظرية الدورة والتعاقب [التداول]،خاصة أنه ينطلق من أفكار ابن خلدون وأزفولدشبنجلر. ومن المعلوم أن الفلسفة المبنية على مبدأ الدورة الحضارية لا تُؤمن بفكرة نهاية التاريخ،بل تضع فكرة التداول كقاعدة عامة تخضع لها كل من الدولة والحضارة،وعليه نلاحظ أن مالك بن نبي لا يؤمن بفكرة الرجل الأخير (السيادة) . أما فوكو ياما فأساس نظريته الفلسفة الكانطيةوالهيجلية المبنية على فكرة الأنا الحضاري المتعالي للجنس الأوربي على الخصوص، ترد فلسفة التاريخ عند فوكو إلى الحركة الجدلية،حيث سيكون الإيمان بنهاية التاريخ مسلمة فكرية وتاريخية.
ويلاحظ أن بن نبي يدعو إلى تبني فكرة التاريخ المفتوح،انطلاقا من المبدأ القرآني القائل بسنة التّداول، بينما فوكو يدعو إلى الإيمان بفكرة التاريخ المغلق من مبدأ:”صراع النقائض ينتهي حتما عند نقطة ما تعبر عن النّهاية. ”
6– يعتمد فوكو على ثنائية دولة الشر والخير لاستمرار حركة التاريخ. ونفهم من الثنائية أن فوكو يعتمد على السياسية والإيديولوجية الليبرالية كشرط أساسي للاستقطاب التاريخي، وبالتالي لا يجعل الصراع العالمي القائم صراعا حضاريا أو دينيا،بل صراعا إيديولوجيا اقتصاديا، ويعتقد أن المحرك لهذه النزعة لدى الإنسان هي قوى الثيموس :” قد تبدو الرغبة في نيل الاعتراف والتقدير لأول وهلة فكرة غير مألوفة ومع ذلك فهي قديمة قدم تاريخ الفلسفة السياسية الغربية، وتشكل جانبا مألوفا من الشّخصية الإنسانية. وقد جاء اول وصف لها في جمهورية أفلاطون، إذ أشار إلى أن للروح ثلاث قوى: الشهوة، والعقل، وما نسميه الثّيموس (Thymos) أي ” الهمة أو الشجاعة” أو القوة الغضبية.”35 أما مالك بن نبي فيعتمد على ثنائية حضارة الطين وحضارة الروح، وبالتالي يحاول أن يجعل التّدافع والصراع يحمل طابعا حضاريا، وأن القوة المحركة هي الروح.
7- يركز مالك بن نبي على أن السر في تفوق “الإنسان الشاهد” يكمن في الدّفعة الروحية المنبثقة من الإيمان ( العنصر الديني). أما فوكو فيرى أن السر يكمن في ما سماه بالجن التكنولوجي الجديد المتولد عن العلم لا الدين. كما يؤكد فوكو في كتابه ” نهاية التاريخ” أن المجتمعات التي لا تملك “الجن التكنولوجي” محكوم عليها بالزوال والانصهار في بوتقة النظام العالمي الجديد: ” وقد كان لنمو العلوم الطبيعية الحديثة نفس التأثير في كافة المجتمعات التي شهدته، وذلك لسببين، الأول: أن التكنولوجيا توفر للبلاد التي تملكها تفوقا عسكريا حتما … والثانية: أن العلوم الطبيعية الحديثة تخلق آفاقا متجانسة من إمكانات الإنتاج الاقتصادي.”36
8– نظرية مالك بن نبي تتجه نحو النزعة التفاؤلية عن التاريخ والمستقبل،بينما فوكو يحمل نزعة تشاؤمية عن الإنسان والتاريخ :” يمكن القول في ثقة بأن القرن العشرين قد غرس فينا جميعا تشاؤما تاريخيا عميقا.”37 إذ يعتقد أن دولة الخير – يقصد بها الدولة ذات النظام الليبرالي – نتيجة اعتمادها على العلم والتكنولوجية ستخلف في رحم مجتمعاتها تيارات معادية لها،خاصة الديانات المعادية للمعاصرة،والنّحل الداعية إلى الفوضوية وشريعة الغاب،مما يجعل فرضية ماركيوز ممكنة أي البرابرة على الأبواب.
9– يرى فوكو أن المنهج العلمي الحديث، يحمل إمكانية توحيد الحضارات الإنسانية في لب حضارة عالمية واحدة ما دام العلم يمثل معلم الوحدة المعرفية، وعليه يصبح الإنسان وحدة حضارية،وعندما تزول مظاهر الحرب والصراع سينتهي التاريخ لانعدام النقيض. أما مالك بن نبي فيعتقد أن الحضارة الإنسانية لا يمكن أن تتوحد ولكن يمكن أن يوجد جو عالمي يحدث تعايشا حضاريا،وبالتالي بروز الإنسان السلمي.
ونخلص بعد المقارنة والمماثلة السابقة إلى نقطة هامة: أن البعد الإنساني عند مالك بن نبي يتجلى أكثر من نظيرة، وأن نظرية فوكو تحاول أن تجعل الإنسان مجرد ورقة في مهب الإيديولوجية العالمية .
نلاحظ من خلال القراءة النقدية لمؤلفات بن نبي ثم كتاب فوكو،أن كلا المفكرين يتفقان في نقطة جوهرية عامة،تتمثل في ضرورة ظهور نموذج إنساني عالمي جديد يكون بمثابة النظير للنموذج اللبيرالي.
وأخيرا نستنتج أن نظرية فوكو تطغى عليها الذاتية والنظرة الإيديولوجية،مما جعله يتحامل على القوى التي لا تدور في فلك الفلسفة الرأسمالية،أو ما يسمى اليوم بالنظام الدولي الجديد . ومن ناحية أخرى فإن العلم لن يقف مهما بلغ في وجه الدين أو الفلسفة،لأنه يخاطب الإنسان في جانبه المادي فقط،أما الدين والفلسفة فيخاطبان الإنسان كوحدة شاملة. إن الاغتراب والاستلاب،الانقطاعواللاّتفاهم الذي يميز حياة الإنسان المعاصر سببه طغيان النزعة العلمية الضيقة .
إن جميع الدّراسات المستقبلية تشير إلى الألفية الثالثة ستكون ألفية عودة الدين، وأن الجن التكنولوجي الجديد لن يصمد أمام الدين، فالأول خرج من قمقم المادة والحاجة، أما الثاني فخرج من قمقم الروح .
إن بن نبي يحاول قدر الإمكان أن يضع نظرية عالمية تستطيع أن تجعل الإنسان مهما كان نوعه،أوجنسه،أوفكره،يتعايش وفق جو إنساني متسم بالحوار الحضاري، ونلمس ذلك خاصة في كتابه [الفكرة الآفرو- آسياوية ].
غير أن مالك بن نبي أخطا حين راهن على الإنسان الماليزي والأندونسي كنموذج مستقبلي في القرن الحادي والعشرين وما بعده، فالأحداث التي رافقت ميلاد الألفية الثالثة برهنت قدرة العنصر العربي على التّغيير والتّجديد، والقدرة على خلق ثورات تُمهد لدخول العالمية. دون أن ننسى العنصر التركي الذي برهن للعالم قدرته على التّحول النّوعي وإمكانية دخول التاريخ.
ونعتقد أن مالك بن نبي أخطأ حين تنبأ بتحالف الشيوعية والمسيحية على العالم الإسلامي حيث يقول: ” المسيحية أمام قوتين متصارعتين إحداهما توحد الله والأخرى تنفي وجوده. ومنطقيا وجب على المسيحية أن تؤيد الإسلام لكنها على العكس من ذلك فهي تريد الانتصار للشيوعية على الإسلام شيء على الشباب المسلم أن يدركه جيدا : أن المسيحية تدرك أن الشيوعية غير مستقرة … وأنها لا تنشئ ولا تخلق حالة الاستقرار النفسي، فماركس إملؤوا البطون وانتهى كل شيء. فالقيادة المسيحية ترى أنها خسرت القضية حاليا … أما إذا انتصر الإسلام فإن التاريخ ينتهي وتأتي نقطة النهاية بالنسبة للمسيحية ويتحقق بذلك وعد الآية الكريمة ليس فقط بالنسبة المعاصرة لظهور الإسلام بل حتى بالنسبة للأفكار التي أصبحت عقيدة ودينا كالشيوعية. “38 ، بينما الأحداث التاريخية بعد وفاة مالك بن نبي بينت أن الغرب المسيحي تحالف مع المد الإسلامي لمحاربة المد الشيوعي خاصة في أفغانستان.

• الخاتمة
قيل أن أصعب خطوة يُصادفها الكاتب هي لحظة تحرير الخاتمة، لكونها أخر ما يُكتب وأول ما يٌنتقد، ومن ساء مدخله ساء مخرجه، ومن حسُن مولجه سُلم مختمُه. وتجدني في هذا المقام أتلمس طُرق تدوين خاتمة تعكس مقدمات الدّراسة وهواجسها، فلم أجد ما يفي بالغرض سوى طرح السّؤال التّالي : ما ذا بقي اليوم من مالك بن نبي؟
• – إبداع السؤال.
• – التزام النقد وممارسته.
• – دقة في التّحليل والتّشخيص.
• – فقه المراجعات.
• – الصّدق مع الذّات.
• – النزوع نحو الغدية.
• – الإنسانية المفتوحة.
• – روح الثورة والتّغيير .
• – روح المبادرة.
*-والبنابية لكي تصبح مدرسة فكرية فهي تحتاج اليوم إلى :
• – ضرورة قتل الأب ( مالك بن نبي) قتلا رمزيا( أوديب): تقدم مالك بن نبي معرفيا حين قتل إنسان ما بعد الموحدين ونحن اليوم يمكن أن نتقدم حضاريا بقتل مالك بن نبي رمزيا، والقتل الرمزي مستوحى من أبيات الحلاج حين قال:
أُقْتُلُوني يا ثقاتي إنّ في قتـْلي حياتي
ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي
وقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)39
• – التفكير في ما بعد البنابية .
• – التّواصل الخلاق مع فكره لا الإتباع والتقليد.
– العقد الحضاري: توقع الأنتلجنسيا عقدا حضاريا بموجبه يعمل الجميع على ضرورة دخول المسلم الحضارة وفق مبدأ تحقيق العالمية الإسلامية الثانية.
– أنسنةالثّيموس أوالعنف الشعبي: عدم الانجرار وراء العنف الشعبي للتغيير لأن الكتل اللحمية تغير الشكل ولكنها غير قادرة على تغيير المضمون.
– إحياء النّص بحيث يصبح سلوك المسلم حضارة تمشي أسوة بالنبي الذي كان سلوكه قرأنا يمشي، لأننا أفرطنا في نقد العقل والفكر ولكننا لم نقم بنقد الفعل، فمأساتنا الكبرى هي في الفعل أكثر منها في العقل أو النقل.

المراجع :
*- أستاذ التعليم العالي بجامعة وهران، ومدير مختبر الأبعاد القيمية للتحولات بالجزائر، من مؤلفاته : الإنسان المستقبلي في فكر مالك بن نبي، أعلام الفكر والتصوف بالجزائر، معجم الطرق والنحل بالجزائر، مقدمات في السياسة المدنية، المدينة والسياسة، الحضارة ومكر التاريخ/ تأملات في فكر مالك بن نبي ……..
1- بن نبي ، مالك، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي ، ترجمة. د.بسام بركة و أحمد شعبو ، دار الفكر ، الجزائر ، ط1، 1991، ص 96
2-بوعرفة، عبد القادر، الحضارة ومكر التاريخ/ تأملات في فكر مالك بن نبي، رياض العلوم للنشر والتوزيع،ط1، 2006،ص 35. (فرضية الزائر السماويوالوعي الماكر لإشكالية التدافع (: ” إن أوّل خطوة يفترضها مالك بن نبي نزول الزائر الفضائي على المحور التالي: واشنطن – موسكو(سابقا) وقد نُغير المحور ليتلاءم مع واقعنا المعاصر في أحضان الألفية الثالثة ونفترضه على السبيل المثال: واشنطن _ طوكيو. ثم ينعطف إلى المحور الممتد على خط (طنجة – جاكرتا)، فمن البديهي أنّ الزائر السّماوي، يكتشف عالما ثانيا، يختلف اختلافا جذريا عن الأوّل، لا من حيث العمران ومظاهر الحياة فحسب، بل حتى في البنية الحضارية للكائن الحي.الفرضية وضعها في مؤلفين (الفكرة الأفرو-أسيوية) و (تأملات) راجع الكتاب الأول خاصة ، ص (79-82).
3- دولوز جيل وفليكس غتاري، ما هي الفلسفة؟؟، تعريب: مطاع الصفدي،المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1،1997، ص 30.
4- راجع: كتابه مشكلة الثقافة.
5- مشكلة الثقافة، تعريب: عبد الصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، ط 4، 1984، ص 22.
6- ابن خلدون، عبد الرحمان، المقدمة، الجزء الأول، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، لبنان، ط2، 1196، ص 156.
7- بوعرفة، عبد القادر ( آلية التمكين للإنسان الشاهد) مجلة الكلمة، العدد 33، 2001، تصدر بلبنان ، ص 80-82.
8- إريك فروم: الإنسان بين الجوهر والمظهر، ت: سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة، العدد 140، الكويت، ط01، 1989، ص125.
9- قسم أفلاطون الناس إلى ثلاث أنفس (الناطقة + الغضبية + الشهوانية) ومن حيث المعادن إلى أربعة أنواع : (الحديدي + النحاسي + الفضي + الذهبي).
10- أفلاطون، الجمهورية، تعريب: فؤاد زكريا، دار الوفاء للنشر والتوزيع،الإسكندرية، 2003، ص .322- 330.
11- سورة الحجرات: الآية 13.
12- مقولة مأثورة عن مالك بن نبي ذكرها في عدة مواضع.
13- ابن طفيل، حي بن يقظان، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط3 / 1980، ص 132، 133.
14- الطفل مصطلح وظفه بن نبي ليدل على مرحلة تاريخية من الدورة الإنسانية، فالإنسان يمر عند بن نبي بثلاثة مراحل أساسية تتناسب طردا مع مراحل الحضارة “الطفل-الشاب-الشيخ”.
15- بن نبي، مالك، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ترجمة بسام بركة أحمد شعبو، دار الفكر، دمشق، ط1، 1992، ص 20.
16- توينبي، مختصر دراسة التاريخ، ترجمة محمد فؤاد شبل، مطبعة لجنة التأليف و الترجمة، القاهرة، ط1، 1966، المجلد 1، ص 320-381.
17- مقولة لهارون الرشيد قالها وهو ينظر إلى غمامة تمخر عباب السماء، وهي مقولة تدل على سعة الملك و القوة.
18- هربرتماركوز، فيلسوف أمريكي،ألماني الأصل، ولد ببرلين 1898،انتقد الفلسفة اللييرالية القائمة على منطلق البرغمائية. أسس أسلوبا متميزا في نقد الحضارة الصناعية، من أشهر كتبه [ إيروس والحضارة] و[ الإنسان ذو البعد الواحد] مات عالم 1979 .
19- ماركوز، هيربرت، الإنسان ذو البعد الواحد، ترجمة : جورج طرابشي، منشورات دار الآداب، بيروت، ط3، 1988، ص 31.
20- المصدر نفسه، ص 37.
21- الموسوعة السياسية، تأليف نخبة من المفكرين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، مصر، الطبعة الأولى، 1979 ص 358.
22- المرجع نفسه، ص 359.
23- الإنسان ذو البعد الواحد، ص 38.
24- الإنسان ذو البعد الواحد،ص254.
25- ماركوز، هربرت، الحب والحضارة، ترجمة مطاع صفدي، دار الآداب، بيروت، ط 2، 2007، ص19.
26- الإنسان ذو البعد الواحد، ص ص: 266 و 267.
27- نص مقتبس من حوار أجراه مالك بن نبي في مجلة العلم والإيمان التونسية قبل وفاته بشهر تحية عنوان (الوصية)، ولم تنشره المجلة إلا في سنة 1980، ص 24 و25 .
28- مجلة العلم والإيمان، ص 28.
29- فوكو، ياما ( فرانسيس)، نهاية التاريخ، ترجمة: حسين احمد أمين، مؤسسة الأهرام، ط1، 1993، ص 210.
30- بن نبي، مالك ، الوصية، ص ص22 و 23.
31- فوكون ياما ( فرانسيس)، نهاية التاريخ ، ص 252.
32- المصدر ذاته، ص 14.
33- المصدر نفسه، ص 215.
34- المصدر نفسه، ص 209.
35- نهاية التاريخ، ص 13.
36- المصدر نفسه، ص 11.
37- المصدر نفسه، ص 21.
38- الوصية، ص 29.
39- سورة آل عمران الآية رقم: 169.

الملتقى الدولي: مالك بن نبي و استشراف المستقبل
من شروط النهضة إلى شروط الميلاد الجديد
في إطار تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية
تلمسان 12 ـ 13 ـ 14 ديسمبر 2011 م
17 ـ 18 ـ 19 محرم 1433 هـ

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.