نظرات في النهضة الاقتصادية عند مالك بن نبي

عدد القراءات :3281

أ‌. نورالدين خندودي – كاتب

مقدمة
نشر مالك بن نبي كتابه “المسلم في عالم الاقتصاد” لأول مرة في بيروت سنة 1972 بدار الفكر، ويعد آخر مؤلف له إذا استثنينا محاضرتيه حول دور المسلم ورسالته التي جمعتا ونشرتا في كتيب سنة 1973 .
وحسب بعض المطلعين فقد ألفه المفكر بناء على اقتراح من عالم الاجتماع المصري الدكتور عبد الواحد وافي الذي طلب المزيد من الإيضاحات والتفاصيل حول أفكار عرضها بن نبي حول أزمة العالم الإسلامي في جوانبها الاقتصادية، في محاضراته وتدخلاته أثناء ملتقيات الفكر الإسلامي وفي غيرها من المناسبات.
لم ينل الكتاب حظا من التقديم والدراسة والنقد والتحليل، أقصد الترويج للأفكار التي حواها والتي سعى بها المؤلف إلى “مساعدة المسلم من الخروج من ورطته في عالم الاقتصاد”1، كما قال.
قبلها كان بن نبي قد تناول المشاكل الاقتصادية في الفضاء الأفروآسيوي في كتابه الشهير “فكرة الأفروآسيوية”، الذي صدر عام 1956، معتبرا أن مشكلة الاقتصاد في هذا الحيز الجغرافي الثقافي، الذي ينتمي إليه العالم الإسلامي، هي قبل كل شيء مشكلة ثقافية في جوهرها وافتقار إلى “الفعالية” في أدائها.
تكييف المعادلة الشخصية للإنسان المسلم مع البنى الاقتصادية الحديثة كوظيفة في المجتمع، أي كمشكلة إنسان أكثر مما هو مسألة نقص في الأموال والخيرات، فإن الاقتصاد يتطلب وعيا وتصورا للأمور (état d’esprit). إذ لا يكفي تدريس المذاهب والنظريات الاقتصادية في الجامعات ولا حتى تطبيقها في الميدان لكي تنتج آثارها الاجتماعية كاملة وتحقق نجاحاتها، إذ تغدو والحال هذه حكرا على قلة من المتعلمين وأهل الاختصاص دون أن تنفذ في أوصال المجتمع . بل يجب أن تصب في وعي كل فرد في ظل تجربة جماعية حين تنفيذ المشاريع الاقتصادية. وضرب بن نبي مثالا عن ذلك بمبدأ الاقتصاد الاشتراكي الذي استطاع لينين ورفاقه أن يصبوه في سيكولوجية الشعب الروسي وفي عقليته ومن ثمة في ديناميكيته. فأصبح الاقتصاد الاشتراكي، في بداياته قبل عثراته، هو حاصل تكييف علم (هو علم الاقتصاد الماركسي) مع وعي (هو الوعي الطبقي)، فظهرت الستخانوفية التي حفزت العمال وجعلتهم ينتجون أكثر من المطلوب. فلا طائل من علم اقتصاد ومن خبرات المختصين فيه إذا لم يلج ضمير الفرد ويشكل تصورا عاما في المجتمع. فتاريخيا ونفسيا، اعتبر بن نبي أن ثمة مشكلة عدم توافق بين البُنى الشخصية الموروثة منذ عهود الانحطاط والبُنى الاقتصادية الحديثة السائدة في الغرب. ومن هنا فعالم الاقتصاد الحديث لا يزال غريبا عن المسلم لأنه لم يأخذ مكانه في الوعي الإسلامي كما أخذ في الغرب عبر مفهوم “الربح” الذي يشكل عصب الاقتصاد الرأسمالي أو عبر مفهوم “الحاجة” الذي حكم الاقتصاد الاشتراكي. فليس لمفهوم “الزهد” الذي ساد العالم الإسلامي غداة انحطاطه نفس المعنى الاقتصادي والعلمي الدقيق لمفهومي “الربح” و”الحاجة”.
ونقترب هنا من تعريف الثقافة عند بن نبي حين يرى أنها ذلك “الجو العام الذي ينشط فيه الفرد ويضبط سلوكه ويطبعه بدرجة من الفعالية”. وانطلاقا من هذه الفكرة، يرى بن نبي أن الإيديولوجية يجب أن تصرف لشحن الهمم وتفجير الطاقات في المجتمع، وصولا إلى مجتمع منظم قادر على أداء ما يسميه “العمل المشترك” (Le travail en commun) الذي ينجز من خلاله المخططات والمشاريع مشروع الاقتصادية.2
ومن هنا نفهم السبب الرئيسي الذي يفسر فشل استشارات أفضل الخبراء الاقتصاديين المتخرجين من أرقى الجامعات الغربية في تحريك عجلة الاقتصاد في بلداننا لأن ثمة انفصال بين الوعي والإنسان وبين العلم والواقع الاجتماعي، فتنجح نظريات في واقع معين وتفشل في واقع آخر. استدل بن نبي على ذلك بمثاله المعروف عن الدكتور شاخت الذي نجحت خططه الاقتصادية في ألمانيا نجاحا باهرا أو قل أسطوريا، إذ رفعت اقتصاد ألمانيا إلى المرتبة الأولى في أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية، بينما فشل هذا الخبير الألماني الشهير فشلا ذريعا في إندونيسيا حين طلبه سوكارنو رغم خيرات البلد وتوفر اليد العاملة، كما لم تنفع خبرته في مصر وسوريا، لأن المعادلة الاجتماعية تختلف بين الألمان والشعوب الثلاثة الأخرى. فالمسألة ليست مجرد حل للمشكلة الاقتصادية بل تكييف للمعادلة الشخصية للإنسان مع البُنى الاقتصادية الحديثة، خصوصا في مرحلة تباشر فيه البلدان الإسلامية تجربة اجتماعية تتمثل في البناء. فالاقتصاد يأخذ مضمونه وفعاليته من الأسس الاجتماعية الشاملة والثقافية العميقة التي تبني لمعادلة شخصية (équation personnelle de l’individu) على مستوى الفرد أو لمعادلة اجتماعية (équation sociale) على مستوى المجتمع. وهذه المعادلة هي التي تؤهل السلوك الفردي والجماعي وتمنحه الفعالية الضرورية لأداء الواجبات ورفع التحديات.
إغفال هذا المعطى – الجوانب الإنسانية والتركيبة الثقافية – زاد الطين بله، وأدى إلى اللجوء إلى المقاربة الاقتصادية البحتة والسقوط في براثن الاقتصادانية، إذا أخذنا بترجمة المرحوم مروان قنواتي للعبارة الفرنسيةéconomisme) ) أي الغلو في اعتماد الأدوات الاقتصادية في تفسير الظواهر الاجتماعية. وقد ندّد بن نبي بالمقاربة وحسبها مجرد فقاعة هواء لا تحوي أية حقيقة اقتصادية. وأفرد للمشكلة فصلا سماه “الاقتصاد والاقتصادنية”، في “المسلم في عالم الاقتصاد”.
وعوضا من ترقب سلوك البورصات والأسواق المالية العالمية، يجدر بنا ونحن في حالة من التخلف والخضوع لغيرنا في معيشتنا أن ننظر في سلوك الفرد عندنا، لأن الإنسان في الغرب يؤدي مهامه ووظائفه في المجتمع والمصنع والإدارة على الوجه الأكمل بينما الإنسان في أغلب دول محور طنجة – جاكرتا، في ضمور ويتحايل هروبا من الواجبات وتجنبا للعمل وأداء المهام.
وعلى الجملة وانسجاما مع نظامه الفكري المتسق ونظراته المترابطة للقضايا ومقارباته الفكرية حول مشكلات الحضارة، فإن المشكلة الاقتصادية عند بن نبي هي في جوهرها تعبيرا محسوسا عن المشكلة الحضارية، ولا يمكن عزلها عن السياق العام والظرف التاريخي الحالي السائد في العالم الإسلامي. وهذا واضح من خلال مقولته التي تلخص هذه النظرة : “الاقتصاد هو الشكل المادي للحضارة”. كما أن تعريفه الوظيفي للحضارة يدل على ذلك إذ يرى أنها “مجموعة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات اللازمة لنموه”. فالشروط المعنوية تشكل الإرادة الحضارية (volonté civilisationnelle) والشروط المادية تشكل الإمكان الحضاري (possibilité civilisationnelle)، كما سنعرض لاحقا.

هواجس وأفكار:
سعى بن نبي إلى التنبيه لبعض المسائل التي تحكم عالم الاقتصاد التي بدت له من الأهمية بحيث تطرح نفسها بقوة على الفكر الإسلامي لحلها. فظهرت آراؤه في صورة هواجس وأفكار سعى من خلالها إلى تحرير الفكر الإسلامي من التبعية وضرورة الاجتهاد في الميدان الاقتصادي.
يقول بن نبي : “إن الاقتصاد يسلك سبله الخاصة وهي سبل ليست بالضرورة رأسمالية أو ماركسية “، فليس هناك طابعا حصريا لقواعد الاقتصاد ولا مسلمات يجب الخضوع لها دون تمعن ودراسة، مما جعله يحض على تحرير الفكر الإسلامي من التبعية لمدرستي سميث وماركس. فالملاحظ أن النخب الاقتصادية في بلداننا ضيقت أفقها حين وضعت نفسها في ورطة الاختيار بين الاقتصاد الماركسي والاقتصاد الحر. فحصل خلط بين المعيار التقني والمعيار الأخلاقي في تصنيف الجانبين، فهناك من رفض الماركسية لدواع أخلاقية ومنهم من حاول تعديل بعض أسس الرأسمالية لتصبح مقبولة دينيا. وهو تلفيق لا طائل من ورائه، كما يجب الابتعاد عن منطق تطويع النظم الاقتصادية التي بناها الغير ومحاولة تركيبها لتناسبنا. ضرب بن نبي مثلا بالطالب المسلم الذي حدثه بحماس عن أطروحة دكتورة قدمها في الولايات المتحدة حول “الاستثمار دون ربا”، وكيف برع فيها حيث نال تهاني واستحسان أساتذته، فتمنى بن نبي لو أن جهد الطالب انصرف للبحث عن سبل وأفكار جديدة بعيدة عن محاولة إصباغ الصبغة الإسلامية على نظريات الغير. فالرأسمالية دون ربا كالروح بلا جسد، كما قال.
ويمكن إدراج محاولات البنغلادشي الدكتور محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام، في هذه الخانة. إذ تركزت جهوده على تقليص الفقر في بلاده عبر منح قروض مصغرة للفقراء وتوجه للاستثمار في مشاريع صغيرة جدا. لقد نجح بصورة محدودة وفي حيز ضيق (بعض الآلاف من الناس في بعض القرى في بنغلاديش). لا يمكن بخس جهد يونس ولكنه لم ينصرف لحل كل المشكلة عبر إحداث طفرة في الاقتصاد عبر إطلاق ديناميكية اقتصادية، كما يرى بن نبي. لقد توجه الدكتور يونس إلى جزء من المشكلة وهي التخفيف من آثار نموذج اقتصادي بإضفاء طابع إنساني عليه، وهو توجه سعى له أبناء المدرسة الرأسمالية أنفسهم، كما هو معروف.
وبحسب بن نبي فإن الاجتهاد في الميدان الاقتصادي ممكن من خلال تقسيم المهام بين الفقهاء والاقتصاديين. فعلى أهل الاختصاص أن يقدموا الحلول الاقتصادية وعلى الفقهاء أن ينظروا في توافقها ومقتضيات ديننا الحنيف. وهي دعوة إلى تعاون الجانبين.

قصور النظرية الماركسية:
إن رفض الماركسية المبدئي لا يعني حجب بعض الحقائق المرتبطة بالنظرية الاقتصادية الماركسية. فهذه النظرية “مؤسسة في الحدود التي يمكن أن تفسر فيها الظاهرة الاجتماعية تفسيرا اقتصاديا”. كما أنها ساهمت في إثراء الفكر الاقتصادي الكلاسيكي بمفاهيم كالقيمة المضافة (la plus-value)، والإنتاجية (la productivité)، مما ساعد على فهم العديد من عيوب الرأسمالية. ولا يجب أن ننكر أن الجانب المذهبي في النظرية الشيوعية هو الذي مكن الاتحاد السوفييتي السابق من بناء قوة اقتصادية كبرى، بعد أن نجح القادة الشيوعيون في غرس الفكرة الماركسية في ضمير الإنسان الروسي في بدايات تأسيس الدولة السوفييتية وتحفيز المجتمع وتنظيم العمل المشترك. غير أن تجنيد المجتمع وتحفيز أفراده، ميزة مؤقتة في الشيوعية، إذ لا تعمر طويلا. فمن المعروف أن هذا المذهب يمد أتباعه في بداية ظهوره بطاقة كبيرة ولكنها سرعان ما تخبو، فتخور القوى وتضمر السواعد. بن نبي استلهم فكرته هذه من تجربتين تاريخيتين : تجربة القرامطة ونموذج المجتمع الذي ساد بلاد فارس قبل ظهور الإسلام (لعله يقصد المزدكية)، فكتب متنبأ في سنة 1972 : “إن المجتمع الشيوعي الحديث سيعرف نفس مصير المجتمعات الشيوعية القديمة على غرار القرامطة الذين انهار نظامهم بعد أن هددوا الدولة العباسية وهي في أوج قوتها”. فالفكرة الشيوعية دون غيرها، تحمل في طياتها عوامل انهيارها السريع بفعل ما اسماه ظاهرة “الشيخوخة الاجتماعية” (vieillissement social) والوهن وضعف العزيمة (relâchement). فإذا كان هذا الخطر يتهدد كل المجتمعات فإنه يتربص من باب أولى بالمجتمعات الشيوعية لأنها تمس الطاقة الحيوية في الإنسان، كما أسلفنا، وهذه الطاقة هي محرك الإنسان وضامن فعاليته. وقد عجزت الفكرة الشيوعية على تعويضها رغم أنها تمس القدرة الإنتاجية في صميمها، فانهار الباعث (motivation) والباعث في نظر ابن نبي قضية مهمة جدا في تحديد درجة فعالية الإنسان.
رسخت قناعة بن نبي بأفول الاتحاد السوفييتي قبل غيره3 عندما درس وتأمل محتوى التقرير الذي قدمته أكاديمية العلوم السوفييتية الشهيرة للقادة السوفييت بطلب من خروتشوف. تتحدث الوثيقة عن ضعف في الطاقة الخلاقة (L’énergie créatrice) لدى جميع ممثلي المهن والأعمال في البلاد. هذه مصيبة كبيرة ولكن المصيبة الأخطر هو اقتراح أكاديمية العلوم معالجة هذا العجز بـمحفز مادي (Stimulant matériel). علق بن نبي على ذلك بقوله “إنه خطر علاج الداء بالداء”.4 وقد وافق المؤتمر الواحد والعشرون للحزب الشيوعي الذي انعقد عام 1956، على مقترحات الأكاديميين، فاستخلص بن نبي بأن الشيوعية تحتضر وأن ساعتها قد دنت.
مرد موقف بن نبي هذا ينبع من فكرة أن المجتمع السوفييتي رضخ للغة المطالب والحقوق على حساب الواجبات وهو في طور النشأة. ويشير بن نبي إلى أن ماو، عكس الزعماء السوفييت، رفض زيادة حصة العمال من الأرز مفضلا الاستمرار في البذل والعطاء قبل تلبية المطالب لأن الهدف كان بناء اقتصاد قوي. اليوم نرى أن هذا البلد الذي كانت المجاعات الدورية تحصد ملايين البشر يصدر الأرز رغم أنه طعام 1.4 مليار من الصينيين، ورغم أن جزء غير بسيط من التراب الصيني عبارة عن صحاري.
من جانب الصراع الفكري الذي نبه بن نبي أنه ما فتئ يحتدم في العالم الإسلامي، يرى أن هناك اشتراكية من إنتاج المختبرات الفكرية في الغرب موجهة خصيصا للبلدان الإسلامية، لأغراض ومرام تخدم هذا الصراع عبر معارك وهمية تشغل الناس وتبدد الجهود والأموال. عندما كتب عبد الله العروي كتابه “الإيديولوجية العربية الحديثة”، وتحدث فيه عما أسماه “الماركسية الموضوعية” (marxisme objectif)، ويقصد أن لكل مجتمع ماركسيته الخاصة، فرح المستشرق الماركسي ماكسيم رودنسون (M. Rodinson)أيما فرح في تصديره للكتاب وأثنى على الفكرة كثيرا5. وتبدو المسألة أحيانا في صورة دجل يمارس لخداع الشعوب، وكتبرير سياسي يقدم لتفسير فشل اقتصادي. فقد تحدث أحد القادة الأفارقة عما أسماه “الاشتراكية المؤمنة”، وهو الذي كان ماركسيا لينينيا قحا قبل انهيار الشيوعية.

المساوئ الكبرى للرأسمالية :
رفض الرأسمالية المبدئي يتعزز عند بن نبي باعتبارها تحمل أكثر الجوانب خطورة وسوءا في بنيته وتركيبته ومراميه والمسيطرين عليه. علاوة على أنها تجافي مشروعه لنهضة اقتصادية في العالم الإسلامي، كما رسم ملامحها في كتبه.

دور المال في الاقتصاد:
قلل بن نبي من دور المال في الاقتصاد ودعا إلى استكشاف عوامل أخرى كالاستثمار الاجتماعي وبين كيف أن التركيز على المال وعلى دور البنوك في الاقتصاد مهلكة حقيقية، إذ يشل الديناميكية الاقتصادية ويخضعها لإرادة الرأسمال العالمي. فالإفلاس المالي الذي يتبع إفلاس المشاريع الاقتصادية يحمل على الاقتراض وعند العجز في تسديدها، تفرض المديونية على شعوب بأكملها اعتماد نظام قاس لا يرحم هو التعديل الهيكلي (Plan d’ajustement structurel) ، يخطط له خبراء أجانب من مكاتبهم في واشنطون (مقر صندوق النقد الدولي والبنك العالمي). و المديونية تفقد السيادة وتنتقص منها، كما قال الاقتصاد الفرنسي الكبير جاك رييفJ. Rueff .
الدور الثانوي للمال في الاقتصاد يتجلى من واقع بعض الدول العربية والإسلامية التي تملك ثروات مالية خيالية، ولم ينفعها في إحداث طفرة في التنمية أو ما يسمى المعجزة الاقتصادية، بل تعجز عن استثمارها أحيانا. وعلى ضخامة مبالغها، فإن المساعدات المالية الأجنبية لا تنفع وحدها، كذلك يقول محمد حسنين هيكل في كتابه “خريف الغضب” أن شعار “مشروع مارشال لمصر” تجلى في تدفقات مالية هائلة بين 1974 و 1980، فقد حصلت مصر على مساعدات مالية من أمريكا تجاوز مجمل مبالغها ما حصلت عليه الدول الغربية بموجب مشروع مارشال الأصلي، غداة الحرب العالمية الثانية. ويستنتج هيكل أن مشروع مارشال في حالته المصرية لم يحقق شيئا.6
في كتابه : “المعارك المصيرية في العالم الغربي وآثارها في التاريخ”، أشار المؤرخ العسكري اللواء فيلر، أو كلوزويتز الانجليزي كما يسمى، إلى جانب اقتصادي مالي غير معروف كثيرا في خضم الصراع المميت بين المشروعين الصهيوني والنازي، عندما رفض الألمان اللجوء إلى الاقتراض من البنوك العالمية لبناء الاقتصاد الألماني المنهار، جراء الحرب العالمية الأولى والتعويضات التي كان البلد يدفعها بموجب معاهدة فرساي، وشرعوا في تمويل الاقتصاد ذاتيا عبر تقديم ائتمان مالي للاقتصاد، طبع المارك الألماني دون تغطية من ذهب أو فضة أو احتياطات من النقد الأجنبي، لانجاز مشاريع ضخمة. طبيعة الإنسان الألماني محفز والمخطط المحكم للدكتور شاخت الذي أشرنا له، ساهما في نجاح الخطة الاقتصادية نجاحا منقطع النظير، ولم يسقط الاقتصاد الألماني في التضخم. أمام هذا الوضع خاف أصحاب البنوك والمرابون من أن يشكل النجاح الألماني نموذجا يتبع، مما يعني نهاية النظام المالي العالمي القائم على القرض والفائدة (prêt – intérêt)، فعقد اجتماع لأصحاب البنوك الكبار في منزل هنري مورغنتو، كاتب الدولة الأمريكي للخزانة (من أصل يهودي هاجر من ألمانيا ) سنة 1937، وبحضور الرئيس الأمريكي روزفيلت شخصيا. وبعد أن تدارس المجتمعون الوضع خرجوا بموقف حازم هو ضرورة القضاء على الزعيم النازي، لأنه يهدد النظام المالي العالمي. والمعروف أن مورغنتو لعب دورا هاما في السياسة الخارجية الأمريكية وقتها.
وقد غزت فكرة الدور المفرط الذي يصبغ عن المال في الاقتصاد العقول والتصورات عندنا، إذ يلاحظ أن الكثيرين ممن يتحدثون عن الاقتصاد الإسلامي يختصرونه في المصارف الإسلامية. فهذه البنوك تجلب الأموال لأنها لا تتعامل على أساس الربا أي أنها تريح أخلاقيا ضمائر الرافضين للتعامل الربوي المحرم. بينما الإقلاع يجب أن يعم المجتمع بأسره ويهم كافة أعضائه وأطيافه. وقد أدرك الغربيون منافع البنوك غير الربوية فاعتمدوها في عواصمهم ولم يحاربوها.

هاجس تحرير العمل من سطوة المال:
أعاد بن نبي إلى الأذهان رسم العلاقة بين العمل والمال كيف كانت في الأصل وكيف انقلبت رأسا على عقب في انحراف أضر بالاقتصاد وشل القدرات والعوامل الاقتصادية الأخرى. ففي البداية كان المال مجرد وسيلة لتخزين الفائض من العمل (من خلال الذهب أو الفضة خصوصا)، يستعمله العامل عند الضرورة (المرض أو أي سبب آخر). فإذا كان نصف يوم من العمل يكفي العامل لتغطية تكاليف معيشته، فإنه يخزن النصف الآخر لوقت الحاجة. فالعمل كنشاط هو الأصل والمال نتيجة له ووسيلة في خدمته (تخزين الفائض منه). بعدها أصبح المال يتحكم في العمل إلى درجة أننا لا نتصور العمل من دون المال، وغدا العمل مرهونا بتوفر المال أي أصبح سجينا له، يأتمر بأوامره ولا يتحرك دونه. وأصبح في وعي الجميع أن المال هو الشرط الأول لنجاح كل مشروع أو مخطط اقتصادي.
ثم أن المضاربة في العملات وتقلبات الأسواق النقدية يهدد أرزاق شعوب بأكملها ويتحكم في عامل من عوامل نموها. ففي بداية التسعينات قام شخص واحد هو جورج سوروس، المضارب المعروف في العملات، فعبث وخرب اقتصادات العديد من الدول في جنوب شرق آسيا من خلال التلاعب بقيمة عملاتها الوطنية، وحط من مستوى معيشة ملايين من الناس وأفلست شركات عملاقة كشركة دايو. والغريب أن الإعلام العالمي يقدمه كشخص “محب للإنسانية” وهي ترجمة فيها شطط لعبارة (philanthrope) . وحدها ماليزيا تصدت له من خلال إجراءات الدكتور مهاتير محمد ومنها إيقاف نزيف العملة الصعبة، فقدحت فيه نفس الصحف في الغرب وانتقدته ونعتته بالديكتاتور.
أليست الأزمة المالية في أوروبا الحالية مثالا على ذلك؟ فالمتحكمون في الأسواق المالية يحوّلون المديونية إلى الحكومات، وتفرض عليها سياسات تقشف صارمة تعصف بمعاشات الشعوب ومقدرات الأمم. أعداد كبيرة من المفكرين ورجال السياسة في الغرب انتقدوا سطوة المال على الاقتصاد، نذكر منهم كتاب أوليفييه بيو (Olivier Piot) الموسوم : ” القطيعة بين المالية والاقتصاد” (1995) . وكتاب ألان بييرفيت (A. Peyrefitte) وزير التعليم العالي في عهد ديغول وعنوانه : “المعجزة الاقتصادية ومجتمع الثقة” (1998)، دون أن ننسى كتاب البروفيسور أليير جاكار (A. Jacquard) ” إني اتهم الاقتصاد الظافر” (2000).

انتهاج سبيل يجتنب الدفع بالمال في حلقة التوزيع:
من المهم التنويه بسدادة وقيمة هذه الفكرة التي أصبحت تطرح بإلحاح في الغرب في خضم النقاش المحتدم حول الأزمة الاقتصادية. فمنذ عدة سنوات بدأت العديد من الأصوات والأقلام في الغرب تندد بالدور المتسلط وغير المبرر لتحكم المال في الدورة الاقتصادية، والأدهى أن هذه الأصوات والأقلام لا تنبع من المتضررين من الرأسمالية في الدول المتخلفة أو من المناوئين لها من أهل الفكر، بل تخرج من قلب الرأسمالية ذاتها ومن فاعليها الكبار. وتعج الساحة الفكرية والإعلامية بالأصوات الرامية إلى ضرورة تحجيم دور المال في الاقتصاد. اطلعت أخيرا على مقابلة أجرتها مجلة “لونوفيل أوبسرافتير” الفرنسية7 مع إمانويل فابر Emmanuel Fabre، نائب رئس شركة “دانون Danone” المتعددة الجنسيات العملاقة. جرى الحديث في خضم الأزمة المالية التي تعصف بالعديد من دول منطقة الأورو وبمناسبة صدور كتاب لفابر وسمه بعنوان معبر هو «Les chemins de traverse »، ويقابله باللغة العربية : “الطرق المسدودة”. طرح فابر في كتابه ضرورة انتهاج سبل أخرى للاقتصاد بعيدا عن سطوة المال، وانتقد صراحة ما أسماه ” الديكتاتورية المالية”(La dictature de la Finance) . يقول فابر: “عوض أن يكون المال وسيلة في خدمة المؤسسات والشركات أصبح غاية لها فضاع الدور الاجتماعي للاقتصاد”. والحقيقة أن هذا المرض مزمن وطبيعي في الرأسمالية. فلم يغفل مفكرو مذهب الاقتصاد الحر هذا المعطى الاجتماعي بدأ من آدم سميث الأب المؤسس. ورغم جهود الحكومات فإنه يعود دوريا في ظل الأزمات المالية الكبرى. وشركة دانون أصبحت شريكا في مشاريع محمد يونس الموجهة للفقراء، كما أسلفنا. وهو الذي أوحى بإنشاء مادةSocial Business التي ابتدعها يونس، وأصبحت تدرس في المدرسة العليا للتجارة المشهورة اختصار بـ HEC. وعبارةSocial Business يصعب ترجمتها ويمكن تقريب معناها بقولنا انه النشاط الاقتصادي الذي يمكّن شركة معينة من تحقيق الربح دون غلو والعمل على خلق المزايا الاجتماعية من خلال هذا الربح.
يقول محمد يونس في كتابه الموسوم : “Creating a world without poverty ” (إنشاء عالم دون فقر)8 ، وهو يتحدث عن الشراكة بين شركة دانون ومصرفه غرامين الخاص بتقديم قروض مصغرة أن من بين المهام الخاصة لهذه الشراكة هو تمكين المستهلكين من ذوي الدخل الضعيف في بنغلاديش من الحصول يوميا على مجموعة من الغذاء بسعر منخفض. كما يدعو إلى التفكير في نموذج إنتاج وتوزيع يدرج السكان المحليين9.
تناول بن نبي المسألة ودعا إلى تجنب المال في التوزيع، وبعد أن تحدث عن الزكاة وعن سمو الواجب على الحق وعن علو الإنتاج عن الاستهلاك، أضاف بعدا أخلاقيا للتوزيع الذي يجب أن يتوسع لأكبر قدر من السكان. فالحاجة تلبى إما بالمال (النقود) كما هو معهود ومكرس أو بإرادة حضارية ويقصد بها مرامي الزكاة الاجتماعية. ولكنه يقر بأن هذه الطريقة ليست سهلة. وعليه يجب خلق ديناميكية اقتصادية تؤسس لنهضة اقتصادية، على غرار النموذج الصيني، يمكن من خلالها تلبية ضمان حاجات الجميع. وهذا هو التعريف الوظيفي الحضارة عند بن نبي، كما سبق.
هل الفكرة التي تقدم بها بن نبي خيالية وطوباوية ؟ كلا. ألا تعمد بعض الدول الغربية إلى منح مبالغ شهرية للعاطلين عن العمل وإلى تقديم إعانات للأسر الفقيرة. ففي فرنسا مثلا هناك منحة شهرية تسمى اختصارا (RMI) أي “الدخل الأدنى للإدماج” والذي تم تعويضه بنظام مشابه يجمل دلالة هو(RSA) أي “دخل التضامن الفاعل” والقصد من ذلك هو منع الطبقات الفقيرة من الخروج من حلقة التوزيع وتغطية حاجاتها الأساسية. والتضامن من معاني الزكاة وتنتج آثارا اجتماعية يجب أن تعزز بإجراءات أخرى حتى يمتد التوزيع إلى أكبر عدد من الناس في المجتمع. وعلى ضآلته فإن هذا الدخل، يجعل المستفيدين منه فاعلين اقتصاديين من جهة الاستهلاك على الأقل، وهو ما يساعد النشاط الاقتصادي.

بناء ديناميكية اقتصادية :
يرى بن نبي ضرورة تعويض الاستثمار المالي بالاستثمار الاجتماعي وجعل مبررات لهذه الفكرة ودافع عنها بمسوغات مستمدة من واقع افتقار العالم الإسلامي للمال، بصورة عامة. ويعني الاستثمار الاجتماعي في مفهومه “الاعتماد على الذات” من خلال اللجوء إلى الإمكانات المتوفرة والاعتماد على الإنسان والتراب والوقت المتوفر. ولا تعوزه الأمثلة الناجحة في هذا الصدد كالصين وألمانيا غداة الحرب العالمية الثانية. إنها فكرة استعمال الإمكان الاجتماعي (Pouvoir social) الذي يقابله للإمكان المالي (Pouvoir financier)، وقد جمع علاقتهما في عبارة لا تخلو من دلالة حين قال ” إن الإرادة تكشف الإمكانية ” ( La volonté découvre la possibilité). ما أعمقها من فكرة إن توفرت الأجواء وساد التنظيم والتخطيط وحضر الحافز والطاقة الخلاقة للإنسان فيصبح فعالا يبذل طاقته. تحدث المؤرخ السويسري الكبير جاكوب بوركهار عن جان باتيست ألبيرتي (1404- 1472) (J.B Alberti) أحد أشهر بناة النهضة الإيطالية وسيرته العجيبة التي أسسها على عزيمة لم تخر وتعدد تخصصاته وإنجازاته في العمران والعلوم والفنون والفلسفة والقانون والآداب والبناء، فقال عنه إن ما أنجزه يرقى إلى ما فوق الطبيعة والخارق للعادة. وختم بوركهار وصفه لألبرتي العبقري بقوله : كان شعاره : “بالنسبة للإنسان، فإن الإرادة هي الإمكان” 10(Pour l’homme , vouloir c’est pouvoir). وهذا هو جوهر فكرة بن نبي في ضرورة تضافر الإرادة الحضارية والإمكان الحضاري لبناء اقتصاد قوي، كما أسلفنا. وكل تباشير نهضة تبدأ بإنتاج فرد فعال، فعمار بن ياسر المسلم الذي كان يعمل بطاقة رجلين عند بناء مسجد قباء، وألبيرتي الإيطالي الذي لا يهدأ نشاطه، وستخانوف الروسي الذي أنتج من الفحم أكثر من المطلوب 14 مرة، ويوكونغ في الأسطورة الصينية الذي لم يهب شيئا إلى درجة أنه حاول تحريك الجبال لأنها تعوقه في الوصول إلى بيته، هم أبناء هذا الجو العام الجديد الذي عدل من المعادلة الاجتماعية للإنسان وطبعه بدرجة من الفعالية. إنها اللحظات التاريخية في حياة الشعوب حين تضع أولى خطواتها وهي تلج الحضارة.
نسأل بن نبي، هل يمكن أن نغير المعادلة الاجتماعية في مجتمع ما ؟ فيجيبنا : نعم ، يمكن ذلك. فهذه المعادلة التي تحكم سلوك الفرد وفعاليته تتغير بطريقتين :
– إما أن تترك للزمن أمر إحداث تغييرها، وقد يستمر الحال قرونا دونما نتيجة وهو الحاصل بالنسبة للإنسان العربي.
– وإما أن تغير منهجيا كما حصل مع اليابان حين وصل شواطئها الأميرال الأمريكي بيري (Perry) مهددا، فقام الإمبراطور ميجي بانفتاح منهجي استوعب به علوم الغرب ووجه الإنسان الياباني إلى رفع التحديات التي فرضتها الحضارة الغربية، فتعلم منها ولم يكن مجرد زبون لها، أو كما حصل مع الصين بعد انتصار ثورة ماو.
إحداث هذه الديناميكية تقوم على مبدأ أخلاقي يجب أن ينبني على مسلمتين حسب بن نبي :
– كل الأفواه يجب أن تأكل.
-كل السواعد يجب أن تعمل.
يجب في هذا التخطيط استبعاد المال قدر الإمكان حتى تأكل كل الأفواه، وبالموازاة يجب على جميع السواعد أن تشتغل. إنه مشروع يرى فيه بن نبي شرطا لتحقيق حلقة اقتصادية يمس فيها التوزيع طبقات المجتمع قاطبة من جهة، ويضمن الإقلاع الاقتصادي من جهة أخرى.
ويجب أن نشير إلى أن بن نبي توسم في إنسان جاوا (إندونيسيا) وإنسان ماليزيا بوادر انطلاقة حضارية جديدة باعتبارهما يحبان العمل والتنظيم والتفصيل والفن (وجهة العالم الإسلامي). هذا رغم الخيبة التي أحدثها فشل مخطط شاخت في اندونيسيا.

الوحدة الاقتصادية في العالم الإسلامي :
تحدث بن نبي عن وجود مقومات وحدة اقتصادية تكون نواتها بين الدول العربية في البداية لتوسع إلى العالم الإسلامي بعدها. ويمكن على سبيل التجربة أن نعمل على شراكة إقليمية بين بعض الدول العربية حيث يتآلف المال الفائض لدى بعضها واليد العاملة لدى دول أخرى والمساحات الترابية لدى البعض الآخر. ثم تمتد التجربة إلى دول أخرى وصولا إلى الاكتفاء الذاتي بل وإلى خلق حلقة اقتصادية مغلقة ومكتفية ذاتيا. ويمكن حينها الحديث عن الاستقلال الاقتصادي للمسلمين. على أنه يقر أن الدول العربية ليست مستعدة حاليا لهذا التطلع رغم توافر أسباب النجاح .

المعجزة الاقتصادية الصينية :
بثقافته العميقة وبتمسكه بدينه، كان بن نبي مستكشفا للسنن الإلهية متأملا لمسارات الحضارات ومستخلصا للدروس من تاريخ الأمم وتجاربها. وقد صدر فصل من فصول كتابه “المسلم في عالم الاقتصاد” بجملة معبرة يتجلى فيها بحثه عن هذه السنن : “إن الأقدار لم تظلم أحدا وإنما تجري الأمور وفق سنن إلهية… ”
وإذا أخذنا بأفكار بن نبي فقد نصل إلى نهضة اقتصادية على غرار التجربة الصينية التي تأسست على ديناميكية تضمن “لقمة عيش لكل فم والعمل لكل السواعد “. من خلال تعديل المعادلة الاجتماعية التي تحكم مجتمعاتنا الراكدة.
فقد أثنى على قدرة الصين في حسن تنفيذ خططها الاقتصادية بفضل تجنيد الطاقات الظاهرة والكامنة في المجتمع الصيني، واستبدال “الاستثمار المالي” الخاضع لشروط المؤسسات الدولية والمرابين في العواصم الغربية، بـ”الاستثمار الاجتماعي” الذي يعتمد على استعمال القدرات والإمكانات الذاتية على قلتها ومهما تكن قيمتها. وبعبارة أخرى، نجحت الصين في إحداث توليفة الحضارة القائمة على الإنسان الصيني والتراب الصيني والزمن المتوفر، فأنجزت نهضتها من خلال نجاح سياسة “الوثبة الكبرى إلى الأمام” “Grand bond en avant”. فتمكنت الصين، والحال هذه، من تجاوز ورطة وصعوبة الاختيار بين “الصنع محليا أو الاقتناء من الخارج” (Faire ou acheter).
كما أن نجاح الوثبة الصينية تعود إلى يقظة القادة في الصين وإدراكهم أن المعارك الاقتصادية التي تخوضها الأمم في بدايات مسيراتها إنما يحددها قطب القيم الأخلاقية في بعديه : الواجب والحق، وأولوية للواجبات على حساب الحقوق. ففي بدايات نشأتها وعندما تضع أولى خطواتها في التاريخ. وعندما أحست الصين بأن هناك محاولات لتحويل المجرى ليصب في خانة المطالب على حساب الواجبات، أعلنت الثورة الثقافية لتصحيح المسار، وللغربيين أن ينتقدوا ويهاجموا هذه الثورة. وهكذا حق لشوان لاي أن يقول وهو يرى أن المخططات الاقتصادية الصينية تحقق النجاحات : “إن سياستنا لا تخطئ لأنها علم”، بينما نعتصر كمدا لأن مخططاتنا وبرامجنا وسياساتنا فشلت. لقد نجح هذا البلد في خلق ديناميكية اقتصادية في حين عجز العالم الإسلامي في ذلك لأن الصين طبقت المبادئ الاشتراكية بصورة جدية وأفضل مما نطبق مبادئ الإسلام.
يحدد الزعيم الصيني الهدف من الثورة فيقول إنه “تحويل المظهر الأخلاقي للمجتمع بتغيير ما في أعماق الإنسان”11، بينما فشل المسلمون رغم أن القرآن الكريم جعل من الآية الكريمة ( إنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ )12 ، شرط التغيير المنقذ للناس والأمم.
انتصر ماو على خصومه من أنصار تشان كاي تشيك واليابانيين في سبتمبر 1949 بعد مشاق وكفاح مرير جسدته التضحيات والمسيرة الكبرى. ورغم صعوبة هذا التقريب والقياس فإن الصينيين ظهروا وكأنهم طبقوا الحديث المشهور للنبي صلى الله عليه وسلم : “لقد عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”… المقصود من الحديث هو جهاد النفس وهواها والميول الضارة كالمطالبة بالحقوق دون القيام بالواجبات وإخضاعها وتوجيهها نحو أهداف البناء والتنظيم. فعندما انتصرت الثورة الصينية في سنة 1949 لم يقم ماو بتوزيع المنافع على رفاقه بحجة أنهم تصدوا للاستعمار الياباني، أو لأنهم حاربوا جيوش شان كي تشيك، أو أنهم شاركوه المسيرة الكبرى. ولم يقل أن مشاكل الصين انتهت بانهزام اليابان وخروج قوات شان كاي تشيك وفرارها إلى تايوان، فيمنحهم ما يسمى “استراحة المحاربة”، وإنما دعا إلى العمل والاجتهاد، فلبس الشعب الصيني لباس العمل الأزرق المشهور، وتجند قاطبة لرفع التحديات التي يفرضها التخلف.
ثلاثون سنة بعدها بدوا ينافسون اقتصادات الغرب. أذكر هنا كيف أن الوزيرة الأولى الفرنسية السابقة إيديث كريسون بررت فشل سياستها في الميدان الاقتصادي والتجاري، ففجرت غيضها وحنقها وبغضها على “النمل الأزرق” الذين لا يهدؤون، وكانت تقصد الصينيين.
وقد استلهمت التجربة الصينية أسسها التحفيزية من التاريخ. ففي أسطورة يوكونغ، يقول هذا الشيخ المعمر الذي تحدى الشيخوخة والصعاب وهو يرد على أولاده وأحفاده وهم يدعونه إلى الاستراحة من عنت العمل : “إني لا أحب أن آكل دون أن أعمل”. وهذا ما يذكرنا بالحديث الشريف: ” ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده …”
في 21 سبتمبر 1949، وقبل أيام من إعلان الجمهورية الشعبية، أعلن ماو أن ” الأمة الصينية لن تخضع مجددا للشتم والإذلال، لقد نهضنا للمواجهة. لقد ولى العهد الذي كان فيه الصيني والثقافة الصينية يعتبران غير متحضرين”. يقول المؤرخ الإيطالي دومينيكو لوسيردو، من جامعة أوريسن بإيطاليا، أن ماو احتفل بيقظة أمة خضعت لسنين عديدة للازدراء والشتم والإذلال، وهو يستحضر اللافتة التي وضعها الفرنسيون في مدخل مدينة شنغهاي ” ممنوع على الكلاب وعلى الصينيين”. ويختم المؤرخ الإيطالي أن انتصار الصينيين ختم دورة تاريخية وأذن بفتح أخرى.
في سنة 2009، وبمناسبة مرور الذكرى الستين على انتصار الثورة، أظهرت التليفزيونات عبر العالم صورا عن الاحتفال بالذكرى، ومنها عرض عسكري محكم فيه من الأسلحة ما يثير هلع الأعداء ويردعهم، وتقدم عجوز صيني وهو يكاد يبكي من التأثر لإنجازات بلاده وهو يقول: “الآن لن يتمكن أي كان أن يزدرينا أو يعتدي علينا”.
هذه هي الثورة في معناها النبيل وفي المفهوم الذي قال به بن نبي: “إنها حالة مستعجلة تستدعي تحقيق أهداف وتحديد وسائل ذلك.
وفي تجارب الأمم دروس وعبر وفي أفكار العلماء إضاءات تنير طريق الخلاص .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الهـــــــوامـــــــش:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – تشرفت بترجمة الكتاب إلى الفرنسية وظهرت طبعتان، الأولى سنة 1995، والثانية سنة 2007، وعلى العادة، لم ينل اهتماما أو نقدا إيجابا أو سلبا. والتعتيم من الأساليب المعروفة في الصراع الفكري كما هو معروف.
2- محاضرته في الجزائر وقسنطينة بعنوان الإيديولوجية سنة 1964 أو بمدينة باتنة سنة 1973 بعنوان العمل والإيديولوجية والتخطيط والإيديولوجية.
N. Khendoudi : Quelques anticipations de Malek Bennabi- el watan du 08 mai 2010.3
4- كتاب : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، فصل: جدلية الفكرة والشيء.
5- انظر إشارة ابن نبي للكتاب في : إنتاج المستشرقين.
6- خريف الغضب ص. 204 و 205 الطبعة 19 بيروت 1987.
7- عدد رقم 2453 لـ 10 نوفمبر 2011.
8- وقد ترجم إلى الفرنسية بـ “نحو رأسمالية جديدة” ” vers un nouveau capitalisme” وهي ترجمة تعبر عن مضمون الكتاب بصورة أفضل.
Muhammad Yunus : vers un nouveau capitalisme. P. 233. JC Lattès. Paris. 2008.9-
N. Khendoudi : l’homme de la civilisation. El Watan du 10 nov. 2011.10-
Dictionnaire des sciences sociales.11-
12- سورة الرعد، الآية11

الملتقى الدولي: مالك بن نبي و استشراف المستقبل
من شروط النهضة إلى شروط الميلاد الجديد
في إطار تظاهرة تلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية
تلمسان 12 ـ 13 ـ 14 ديسمبر 2011 م
17 ـ 18 ـ 19 محرم 1433 هـ

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.